كتب: فهيم حامد الحامد محلل استراتيجي
عندما بسطت الصين السجادة الحمراء لأكثر من 20 من قادة العالم في حدثين كبيرين متعلقين بالدفاع والسياسة والسلاح والشراكة بين الشرق والشرق، فإنها عززت طموحاتها وتحالفاتها ومحاولاتها المستمرة لتوسيع نفوذها مع الشرق لمواجهة الغرب.
وعندما استقبل زعيم ثاني أكبر اقتصاد في العالم الرئيس شي قادة قمة شنغهاي في مدينة تيانجين، ومن ضمنهم الرئيس بوتين ورئيس وزراء الهند مودي ورؤساء دول وحكومات من نحو 20 بلداً، ومسؤولون من نحو 10 منظمات دولية في المدينة الساحلية الكبيرة التي تمثل رمزاً للتنمية الاقتصادية في الصين، فإن الرئيس الصيني نجح في استقطاب قوى تتباين أحياناً في المصالح، لكنها تتقاطع في رفض التفرد الأميركي.
ويجسد ذلك أيضاً نجاح استعراض الصين لنفوذها الدبلوماسي وقوّتها العسكرية، مع تقديم نفسها بوصفها مركز استقرار في عالم يسوده الانقسام، وبنموذج تعددية الأقطاب الذي تعكسه قمة قادة مجموعة شنغهاي، في انتقاد مبطّن للنهج الأحادي الغربي.
وتمثل هذه اللحظة الصينية التاريخية تتويجاً لاستراتيجية طويلة المدى اعتمدتها بكين لإعادة تموضعها كقوة عالمية بديلة أو موازية للنفوذ الغربي.
تعددية قطبية مدروسة
والصين سعت على الدوام إلى نموذج عالمي لا يُدار من عاصمة واحدة، بل يقوم على توازن بين قوى إقليمية كبرى.
تيانجين رمز التحول الاقتصادي
ولا يمكن اعتبار اختيار الصين المدينة الساحلية تيانجين لعقد القمة محض صدفة، بل هي رسالة صينية ذكية لا تعرض بكين من خلالها فقط التحالف العسكري والدبلوماسي، بل نموذجاً اقتصادياً ناجحاً وشراكات تنموية شاملة، خاصة مع دول الجنوب العالمي الباحثة عن بدائل للمنظومة الغربية التقليدية.
استعراض القوة الناعمة والصلبة
وفي الوقت الذي تُبدي فيه الصين حفاوة الاستقبال البالغة والتعددية والانفتاح، فهي في الوقت ذاته تعرض عضلاتها العسكرية وتكنولوجياتها الدفاعية، مما يدمج بين الدبلوماسية الناعمة والحضور الاستراتيجي الصلب.
لا للمواجهة نعم للتشاركية
ويبدو من الواضح أن الصين لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع الغرب، بل إلى تقديم نفسها كمنصة عالمية بديلة، سواء في الشراكات الأمنية (مثل منظمة شنغهاي)، أو في الاستثمارات العابرة للحدود (مثل مبادرة الحزام والطريق).
إعادة صياغة التحالفات الآسيوية
ويعتبر المراقبون أن الصين قدمت نموذجاً متعدّد الأطراف من تصميمها، بشكل مختلف عن النماذج التي يهيمن عليها الغربيون، وتعكس المشاركة الواسعة تنامي النفوذ الصيني وقدرة منظمة شنغهاي للتعاون على جذب بلدان غير غربية.
استضافة العالم الشرقي
ولم تكتفِ الصين باستضافة القمة السنوية لمنظمة شنغهاي للتعاون، وهي مجموعة أنشأتها الصين وروسيا في عام 2001 مع التركيز على الأمن في آسيا الوسطى والمنطقة الأوسع، بل استضافت أيضاً استعراضاً عسكرياً ضخماً لإحياء الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية، حيث خرجت الصين منتصرة على جارتها اليابان.
وتظهر قوائم ضيوف منتدى منظمة شنغهاي للتعاون والعرض العسكري أنها لا تتداخل بشكل كامل، ما يعكس مصالح بكين وولاءاتها والقيود التي تواجهها بين جيرانها وخارجها.
شركاء في الحوار
وتأسست منظمة شنغهاي للتعاون من قبل الصين وروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وتوسعت فيما بعد لتشمل أعضاء مثل الهند وإيران وباكستان وبيلاروس. أما أفغانستان ومنغوليا فهما دولتان مراقبتان، وهناك 14 دولة أخرى، معظمها من جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، تعمل “شركاء في الحوار”.
ويتناوب البلد الذي يستضيف القمة السنوية كل عام. وتمثل قمة شنغهاي رسالة قوية من الصين إلى العالم، تؤكد من خلالها قدرتها على جمع حلفائها الإقليميين والدوليين تحت مظلة حوار مشترك يعكس روح التعاون والانفتاح التي تتبناها بكين.
الحفاظ على الأمن العالمي
وبدا واضحاً من كلمة الرئيس الصيني شي جينغ رغبة بلاده في صياغة مستقبل عالمي آمن، عندما قال: “إن منتدى الأمن التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون يحمل على عاتقه مسؤولية أكبر الآن في الحفاظ على السلام والاستقرار الإقليميين، إلى جانب تعزيز التنمية والازدهار في الدول الأعضاء”، مؤكداً أن قمة منظمة شنغهاي للتعاون تضطلع بمهمة هامة تتمثل في بناء التوافق بين جميع الأطراف وتحفيز العزم في مجالات التعاون.
تعزيز الثقة المتبادلة
ولعبت منظمة شنغهاي للتعاون منذ تأسيسها دوراً محورياً في تعزيز الثقة المتبادلة والتعاون العملي بين الدول الأعضاء، وأسهمت بشكل ملموس في بناء مجتمع إقليمي أكثر أمناً واستقراراً.
ومن المؤكد أن القمة وفرت منصة مهمة للنقاش المفتوح بين الدول، ما يعكس التوجه الصيني القائم على الشراكة المتبادلة والاستثمار المشترك لتعزيز العلاقات الاقتصادية، فضلاً عن فتح قنوات تواصل فعّالة مع جميع الأطراف.
صناعة سلاسل القيم
هذه القمة ليست فقط مناسبة لبحث التعاون في مجالات الأمن، بل تمتد أيضاً إلى القضايا السياسية وصناعة سلاسل وقيم الإمدادات، خصوصاً أن الصين حريصة على أن تكون فاعلاً مسؤولاً في النظام الدولي، وتسعى دائماً إلى الإسهام في القضايا العالمية من خلال الحوار والانفتاح والتعاون متعدد الأطراف.
ترتيب التوازنات الآسيوية
ومن المؤكد أن وجود مودي وبوتين في قمة واحدة تُديرها بكين يؤشر إلى إعادة ترتيب التوازنات داخل آسيا، وربما تأسيس “شرق جديد” يتفاهم على مصالحه من دون الحاجة إلى الوصاية الغربية.
تشكيل النظام العالمي
وقد استغل الرئيس الصيني القمة لاستعراض شكل النظام العالمي في مرحلة ما بعد القيادة الأميركية، مع منح روسيا دفعة دبلوماسية رفيعة المستوى، في ظل تضررها من العقوبات المفروضة عليها بسبب حربها على أوكرانيا.
التشكل الجيوسياسي
وتظهر الصين اليوم كأحد أبرز مظاهر التشكل الجيوسياسي الجديد في العالم، ويعكس ذلك رغبة واضحة في كسر هيمنة الغرب على النظام الدولي، وبناء توازنات بديلة قائمة على تقاطعات المصالح الاستراتيجية والعداء المشترك للنفوذ الأميركي.
واعتبر المراقبون أن قمة شنغهاي كانت بمثابة “عرض عضلات استراتيجي”، يُظهر أن العقوبات والعزلة لم تفلح ضد الصين، وأن هناك معسكراً مضاداً يتشكل ويتماسك، قادراً على مقاومة الضغوط الغربية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ويعطي انطباعاً ببداية بناء ما يمكن تسميته بـ”ناتو شرقي” يوازن تحركات الحلف الأطلسي.
محور استقرار وتوازن
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ما قامت به بكين ليس مجرد “قمة دبلوماسية”، بل عرض قوة مدروس ضمن معركة النفوذ العالمية، حيث تقدّم نفسها كمحور استقرار واستثمار وتوازن في عالم مأزوم، مقابل النموذج الغربي القائم على المواجهات والتكتلات المغلقة.

