بندر بن عبدالله
المعنى الموروث والزاوية الضيقة
نشأنا على أن “الموؤدة” هي الطفلة التي تُدفن حيّة من قِبَل أهلها أو عشيرتها، وقد دعمت بعض المرويات هذا الفهم، مثل ما رُوي عن عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: “الوائِدةُ والمُوءودةُ في النار”، حتى وإن اختلف أهل العلم في صحة هذا الحديث. وقد اجتمع هذا الفهم مع آياتٍ مثل قوله تعالى:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ * يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨-٥٩].
والتأمل في التعبير القرآني يكشف لنا أن النص لم يقل “إذا بُشِّروا”، بل قال: “أحدهم”، أي إنما يقع ذلك من بعض الأفراد لا من الجميع. ففي هذا نفي للتعميم، وتصوير أدق للواقع، وهو ما ينسجم مع الشواهد التاريخية التي تثبت أن الوأد لم يكن عادة عامة بل ممارسة ضيقة عند بعض القبائل.
إعادة النظر في موؤدة التكوير
عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُودَةُ سُئِلَتۡ * بِأَيِّ ذَنبٖ قُتِلَتۡ﴾ [التكوير: ٨-٩]، يبرز معنى أعمق: لماذا تُخص الأنثى دون الذكر؟ إن عدل الله شامل، والنفس المؤنثة لفظًا في العربية هي محل التكليف، فلا فرق بين ذكر أو أنثى إذا قُتلت بغير حق. ومن هنا يتضح أن “الموؤدة” أوسع من كونها طفلة مدفونة، فهي النفس البشرية المغلوبة، أيًّا كان صاحبها.
النفس والوأد في ضوء القرآن
النفس في لسان العرب مؤنثة، والقرآن أكد حرمتها: ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]. لذا جاءت “الموؤدة” بالتأنيث موافقة للفظ “النفس”. فالوأد لا يعني فقط دفن البنات، بل يشمل كل قتل للنفس ظلمًا: دفنًا، حرقًا، غرقًا، قهرًا أو إهمالًا.
أثر التدبر على قراءة التاريخ
إعادة فهم الموؤدة تكشف أن وأد البنات لم يكن ظاهرة عامة بين العرب، بل ممارسة ضيقة، بينما الواقع يثبت حضور المرأة في المجتمع:
• خديجة بنت خويلد تاجرة ناجحة قبل الإسلام.
• الخنساء شاعرة مؤثرة.
• النساء كن زوجات وأمهات ومرضعات ومعلمات، لا مجرد ضحايا.
إذن تصوير العرب وكأنهم جميعًا وأدوا بناتهم هو مبالغة غذتها بعض المرويات لإبراز فضل الإسلام بالمقارنة مع الجاهلية. أما القرآن، فقد قدّم صورة أكثر توازنًا حين قال: ﴿أحدهم﴾، فنسب الفعل إلى بعض الأفراد، لا إلى الجميع.
الوأد كرمز كوني للظلم
حين نوسع المفهوم، يصبح الوأد رمزًا لكل قتل للنفس البريئة. يدخل فيه:
• قتل الأولاد من فقر أو جوع.
• إزهاق الأرواح ظلمًا بالحرق أو الغرق.
• استضعاف المساكين وقتلهم في الحروب.
كل هؤلاء داخلون في سؤال الله: ﴿بِأَيِّ ذَنبٖ قُتِلَتۡ﴾.
البعد البلاغي في لفظ “الموؤدة”
اختيار هذا اللفظ في سورة التكوير يحقق غايات بلاغية عميقة:
• الجذر (و-أ-د) يدل على الطمس والقهر والدفن، فجاء اللفظ ليجسد القسوة المادية والمعنوية.
• وزن “مفعولة” يدل على كونها ضحية مغلوبة لا تملك الدفاع عن نفسها.
• التأنيث ينسجم مع لفظ “النفس” ويثير الرقة والعطف في القلوب.
• وضع مشهد “الموؤدة” وسط انقلاب كوني (الشمس كُوِّرت، النجوم انكدرت) يرفع جريمة قتل النفس إلى مستوى الظواهر الكونية، وكأنها من أعظم الفجائع.
سؤال الضحية لا الجاني
قمة البلاغة أن السؤال يوجه للموؤدة لا للقاتل: ﴿بِأَيِّ ذَنبٖ قُتِلَتۡ﴾. في الظاهر يُسأل الضحية، لكنها في الحقيقة شاهدة، فيُفضح القاتل بلسان صمتها. وهذه صورة تهزّ الضمير وتؤكد أن الدم لا يضيع عند الله.
البعد الرمزي: دفن الحقائق
الوأد لا يقف عند حد الجسد، بل يمتد إلى كل حقيقة تُطمس، وكل كلمة حق تُدفن، وكل عقل يُخمد تحت سلطة الجهل أو الظلم. فالموؤدة قد تكون نفسًا مادية، وقد تكون قيمة أو فكرة أو مبدأًا وأده الناس بالتجاهل أو القمع. بهذا المعنى يصبح اللفظ رمزًا جامعًا للقتل المادي والمعنوي.
قصة عمر بن الخطاب والرواية المختلقة
يُشاع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في الجاهلية: “وأدتُ ابنة لي، فلما مسحت التراب عن لحيتي بيدها أشفقْتُ عليها ثم دفنتها”، لكن هذه القصة لا أصل لها في كتب الحديث المعتبرة. لم يذكرها البخاري ولا مسلم ولا أصحاب السنن، ولا وردت في كتب التاريخ المبكرة. بل ظهرت متأخرة في كتب الوعّاظ بلا سند صحيح.
والمعروف أن لعمر بن الخطاب أربع بنات:
• حفصة: زوج النبي ﷺ.
• زينب.
• رقية.
• فاطمة.
كلّهن عشن وتزوجن بعد الإسلام. فلو كان عمر قد وأد بنتًا فعلًا لذُكرت في كتب الأنساب والتاريخ، أو لصرحت حفصة نفسها بذلك، لكنها لم تفعل. بل لم يستغل خصوم عمر السياسيون هذه القصة في الفتن، مما يدل على أنها لم تكن معروفة ولا صحيحة.
ويُرجح أن القصة اختُلقت لأسباب وعظية: المبالغة في تصوير قسوة الجاهلية، وإبراز التحول الروحي الذي أحدثه الإسلام. لكنها تبقى خبرًا ضعيفًا لا يليق نسبته إلى الفاروق رضي الله عنه.
العدل الإلهي ومشهد القيامة
إبراز الموؤدة في سورة التكوير إلى جوار تكوير الشمس وانكدار النجوم يعلن أن مظالم البشر ستنكشف كما تنكشف أسرار الكون، وأن كل نفس وُئدت ظلمًا ستُحضر ليشهد الخلق عدل الله فيها. فهو العدل الذي لا يهمل دمًا ولا يغفل حقًا.
الخاتمة
الموؤدة في القرآن ليست مجرد طفلة دفنت في التراب، بل هي رمز لكل نفس بريئة وُئدت ظلمًا، ولكل حقيقة طُمست، ولكل قيمة قُبرت. بهذا الفهم ينكشف عمق العدل الإلهي، ويظهر أن الإسلام لم يأتِ فقط لوقف عادة شاذة، بل ليضع مبدأً خالدًا: حرمة قتل النفس، وحرمة وأد الحق، وأن العدل يوم القيامة يعيد لكل موؤدة صوتها وشهادتها

