كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
من المعروف أنّ الرئيس الكوري الشمالي يتحرك بدقة متناهية في الداخل، ونادرًا ما يقوم بزيارات خارجية، كون الهاجس الأمني لديه مرتفعًا بشكل متعاظم. وحين يصل الرئيس الكوري الشمالي إلى بكين عبر القطار لحضور العرض العسكري الضخم لإحياء الذكرى الثمانين لاستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية؛ فإن آلافًا من حرسه واستخباراته كانوا قد قاموا بتمشيط الأرض الصينية التي يمشي عليها ضمانًا لأمنه وسلامته، للقاء أحد أقرب حلفاء كوريا الشمالية منذ الحرب الكورية (1950-1953).
“رمزية رحلة القطار”
رحلة الرئيس كيم بالقطار تعد إشارة مدروسة تحمل أكثر من دلالة رمزية، تتضمن التمسك بطابع “السيادة” الكورية الشمالية، والإيحاء باستقلالية القرار، واختلاف النمط عن البروتوكولات الغربية الصاخبة، إلى جانب استعادة مشهد تاريخي لطريقة تنقل الزعماء في الحقب السوفيتية.
“نقطة تحول في الشراكة”
لا جدال في أنّ الاستعراض العسكري في ذكرى انتهاء الحرب العالمية الثانية، والذي يشارك فيه الرئيس الكوري الشمالي والرئيس بوتين، صُمّم لإذكاء الفخر الوطني وإظهار الثقل العسكري للصين، في ميدان “تيانانمن”، والذي يشكّل نقطة تحول في تاريخ الصين، إذ فقدت البلاد ملايين الأرواح خلال الغزو الياباني الطويل في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، قبل أن ينتهي النزاع بهزيمة اليابان عام 1945.
ويكتسب الحدث أهمية خاصة بالنسبة لبكين التي تسعى إلى استعراض أحدث منظوماتها العسكرية وتعزيز حضورها على الساحة الدولية، فضلًا عن مؤشرات ظهور الرئيس شي جنبًا إلى جنب مع الرئيس كيم والرئيس الروسي بوتين، حيث يعد هذا الاستعراض العسكري أول مرة يظهر فيها الثلاثة معًا. وتتحرك بكين وموسكو وبيونغ يانغ كثلاثي قطبي لإعادة هندسة النظام الدولي وتقديم رؤية مشتركة لبناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
“العلاقة بين موسكو وبيونغ يانغ تتوطد”
توطدت العلاقات بين بيونغ يانغ وموسكو منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، والدعم العسكري الذي قدّمته كوريا الشمالية لروسيا بإرسالها أسلحةً وآلاف الجنود دعمًا للكرملين. وكانت كوريا الشمالية قد عبرت عن دعمها للتصريحات التي أدلى بها الرئيس الصيني شي في قمة شنغهاي، والتي دعا فيها إلى حوكمة عالمية أكثر عدلًا، مضيفة أن التعاون بين كوريا الشمالية والصين سينمو لتحقيق هذا الهدف.
“معارضة عقلية الحرب الباردة”
طرح الرئيس شي رؤيته لنظام أمني واقتصادي عالمي جديد في قمة شنغهاي بإعطاء الأولوية “للجنوب العالمي”، في تحدٍ مباشر للولايات المتحدة. وشدد على ضرورة «تعزيز منظور تاريخي للحرب العالمية الثانية، ومعارضة عقلية الحرب الباردة، ومواجهة الكتل وسياسات الترهيب» التي تنتهجها بعض الدول، في إشارة إلى الولايات المتحدة. وأكد أهمية إيجاد «تعددية أقطاب متكافئة ومنظمة في العالم، وعولمة اقتصادية شاملة، وتعزيز بناء نظام حوكمة عالمي أكثر عدلًا وإنصافًا».
“اتفاقية دفاع مشترك”
أكد المراقبون أن الاجتماع التاريخي للزعماء الثلاثة (شي وكيم وبوتين) في العاصمة الصينية، يعد مؤشرًا لظهور محور ثلاثي جديد يقوم على اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين روسيا وكوريا الشمالية في يونيو 2024، وتحالف مماثل بين بكين وبيونغ يانغ. ويُنظر إلى هذا التطور على أنه قد يغير الحسابات العسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، موضحين أن اجتماع بوتين وكيم يونغ أون في بكين دليل على عزم الرئيس الصيني إعادة تعريف النظام العالمي الذي يقوده الغرب، في وقت تثير فيه تهديدات ترامب والدبلوماسية القائمة على العقوبات توترًا في التحالفات الأميركية التقليدية.
“حروب القيم والرؤى السياسية”
لم تعد الصراعات الحالية بين دول منفردة، بل أصبحت بين منظومات قيم ونماذج حكم ورؤى سياسية. فالتحالف الشرقي العالمي الذي يتشكل اليوم يتبنى نموذج الدولة القوية المركزية في مقابل النموذج الليبرالي الغربي، ما ينذر بمزيد من الاستقطاب العالمي. وتعد زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى الصين بمشاركة نظيره الروسي بوتين إعلانًا صريحًا عن إعادة صياغة التموضع الاستراتيجي في النظام العالمي.
فالمشهد يعكس بوضوح التمكين لتحالف ثلاثي جديد بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ، في مواجهة الاستراتيجية الغربية.
“تحالف الضرورات السياسية والأمنية”
هذا “الثلاثي الشرقي” لا يجمعه فقط العداء المشترك للغرب، بل أيضًا حاجة كل طرف إلى الآخر لتعزيز أوراقه التفاوضية، وتحقيق التوازن في بيئة دولية تتسم بالضغط والعقوبات والاستقطاب.
احتياج صيني لكوريا
الصين تحتاج كوريا الشمالية كحاجز جغرافي أمام النفوذ الأميركي في شرق آسيا، فيما تبحث روسيا عن حلفاء يعززون موقفها في ظل العقوبات والحرب في أوكرانيا. وترى كوريا الشمالية في هذا التحالف الثلاثي فرصة لفك العزلة الدولية وإثبات مكانتها النووية.
ويرغب “الثلاثي الشرقي” من خلال هذا اللقاء في إرسال رسائل متعددة الاتجاهات: أولًا إلى واشنطن، مفادها أن الضغوط والعقوبات لم تُفكك التحالفات بل زادتها تماسُكًا. ثانيًا إلى الجوار الآسيوي بأن أي تحرك ضد أحد أطراف هذا التحالف قد يُواجَه بجبهة موحدة. وأخيرًا إلى الداخل المحلي بأن من حق أي دولة تعزيز خطاب القوة والسيادة في مواجهة التدخلات الغربية.
تعزيز التقارب العسكري
يتوقع المراقبون عدة سيناريوهات مستقبلية لمخرجات اللقاء الثلاثي، أبرزها تعزيز التقارب العسكري وتكثيف التدريبات المشتركة، وهو ما يخشاه الغرب، إلى جانب تصعيد محتمل في ملفات بحر الصين الجنوبي، تايوان، وشبه الجزيرة الكورية، ودعم روسي أو صيني لكوريا الشمالية تكنولوجيًا واقتصاديًا لتعزيز قدراتها النووية أو الصاروخية.
“الشرق مقابل الغرب”
كمحصلة، فإن زيارة الرئيس كيم إلى الصين إلى جانب بوتين تمثل منعطفًا استراتيجيًا في معادلة “الشرق مقابل الغرب”، كونها بداية تحالف ميداني عسكري أكثر وضوحًا في الجغرافيا السياسية العالمية، يتخطى الشعارات إلى مستويات أعلى من التنسيق، وربما المواجهة غير المباشرة.
“تداخل التاريخ مع الجغرافيا”
ما نراه اليوم ليس مجرد زيارة، بل هو ترسيخ لواقع عالمي جديد تتداخل فيه الجغرافيا بالمصالح، وتُعاد فيه صياغة التحالفات بعيدًا عن القطب الواحد. من الواضح أن الشرق يُعيد التحدي، وكوريا الشمالية باتت رقمًا صعبًا ضمن هذا التوازن الدولي المتحول.
“إعادة تشكيل النظام العالمي”
يشكّل التحرك المتسارع لكل من بكين وموسكو وبيونغ يانغ خطوة استراتيجية مدروسة لإعادة هندسة بنية النظام الدولي بما يتجاوز الإطار التقليدي للهيمنة الغربية، حيث يسعى هذا “الثلاثي الشرقي” إلى تقديم رؤية بديلة متعددة الأقطاب، قائمة على التوازن لا الإقصاء، وعلى الشراكة لا التبعية.

