د. محمد العرب
رئيس مركز العرب للرصد والتحليل
هناك أجيال وُلدت لتعيش ببساطة، وأخرى لتتمرد، لكن جيل السبعينيات وُلد ليُعاقَب بالوعي…!
إنهم الجيل الذي يرى كل شيء، يعرف كل شيء، يقرأ علامات الانهيار كما تُقرأ الكتابة على الجدران، لكنه عاجز عن إيقاف الطوفان ، هذا الجيل لم يكن نعمة للتاريخ، بل لعنة الوعي التي لا تسمح له أن ينام قرير العين ، إنه جيل الصمود ، الذين يعرفون أن القادم خراب، ومع ذلك يظلون واقفين في منتصف الطريق، لا يملكون رفاهية الهرب، ولا شجاعة الانسحاب.
لقد شربوا من ماء الطفولة الصافي حين كان الجار عائلة ثانية، والمدرسة بيتاً صارماً ، والدين سياجاً لا ينهار ، ثم، فجأة، أُلقوا في عالم يذوب بلا ضمير: شاشات تبتلع الصدق، أسواق تبتلع القيم، وأجيال لاحقة تبتلع حتى فكرة المعنى ، كانوا يعرفون الفرق بين العيب والحرام، لكن أبناءهم لم يعودوا يفرقون حتى بين الإنسان والآلة وهذه المفارقة جعلتهم جيلاً ممزقاً : نصفهم عالق في الماضي كحنينٍ ينزف، ونصفهم الآخر عالق في المستقبل ككابوس يقترب.
جيل السبعينيات هو الشاهد الأخير على لحظة انهيار البوصلة ، رأوا القيم وهي تُباع بأرخص الأثمان، ورأوا الأسرة تتحوّل من حصن إلى عقد هشّ، ورأوا الدين يُستخدم كسلعة في سوق السياسة ، يعرفون أن العالم لم يعد كما كان، لكنهم يصرّون على حمل الأمانة، كأنهم يعتقدون أن وجودهم وحده يمكن أن يؤخر النهاية.
إنهم لا يخدعون أنفسهم: يدركون أن ما بعدهم جيلٌ هشّ، يلهو في المنصات كما يلهو طفل بالدمى. يعرفون أن القيم لم تعد معياراً ، وأن الكرامة لم تعد سلعة مطلوبة. ومع ذلك، يواصلون التمسك بما تبقى، كأنهم يزرعون شجرة في صحراء يعلمون أنها لن تثمر. ليسوا ساذجين، بل محكومون بلعنة المعرفة: يعرفون أن كل شيء يتداعى، لكنهم لا يستطيعون أن يتخلوا عن دورهم كحراس.
جيل السبعينيات يشبه السجين الذي يحمل مفاتيح الزنزانة، لكنه يعرف أن الخارج ليس حرية بل صحراء مقفرة. هم من يحفظون دعاء الأم في قلوبهم، بينما يشاهدون أبناءهم يستهزئون به. هم من يعرفون معنى التضحية، بينما العالم من حولهم يقدّس الأنانية. هم من يقدّسون الوعد، بينما الأجيال اللاحقة ترى في الكذب مهارة تفاوض. المفارقة أنهم يعرفون أن كل هذا بلا جدوى، ومع ذلك يستمرون، لأن التوقف خيانة.
ليسوا ملائكة، لكنهم آخر من تجرّع طعم الطفولة النظيفة قبل أن تسممها العولمة. لهذا يبدون غرباء في حاضرهم، منفيين داخل زمن لا يشبههم. كلما ضحك جيل الألفية على (جمودهم) وكلما سخر جيل Z من (مثالياتهم) ازداد شعورهم بضرورة الصمود : أن يروا الحقيقة بوضوح ولا يستطيعوا أن يغيّروها.
جيل السبعينيات لم يكن جيلاً عادياً ولن يكون، بل هو جيل العالقين بين زمنين متنافرين. هم يشاهدون انهيار القيم كمن يشاهد بيتًا يحترق، وهم يصرخون لإطفائه، لكن الماء الذي بأيديهم لا يكفي. ومع ذلك، يرفضون أن يلقوا بالدلو ويغادروا. هذه هي المأساة: أنهم يعرفون أن كل ما يفعلونه قد يكون عبثاً ، ومع ذلك يستمرون، لأن الاستسلام موت قبل الموت.
إنه وعي ملعون، لأنهم لا يستطيعون أن يخدعوا أنفسهم كما فعلت الأجيال السابقة، ولا يستطيعون أن يغرقوا في اللهو كما تفعل الأجيال اللاحقة. هم جيل ينهض كل صباح وهو يعرف أن العالم يسير إلى هاوية، ومع ذلك يرتدي قناع الصمود، ويمضي ليعلم أبناءه ما تبقى من المعنى. ليسوا سعداء، ولا منتصرين، لكنهم آخر مَن يحاول.
حين يُكتب التاريخ، سيُذكر جيل السبعينيات لا بوصفه جيلاً مجيداً ، بل بوصفه جيلاً يدمن الوعي. جيلاً عرف أن القيم تنهار ولم يتركها تنهار بصمت. جيلاً أدرك أن العالم يبيع نفسه، لكنه رفض أن يبيع ما تبقى من كرامته. جيلاً لم يُنقذ البشرية، لكنه على الأقل أجّل لحظة الانهيار.
جيل السبعينيات… جيل لا يُصفَّق له ولا يُحتفى به، لكنه وحده يعرف معنى أن تموت واقفاً بدل أن تعيش منبطحاً ، هو جيل الملعونين بالوعي، الذين يرفضون الانتحار رغم أنهم يعرفون أن النهاية واقفة عند الباب.

