بندر بن عبدالله بن محمد
المقدمة
من أبرز القضايا التي ثار حولها جدل طويل مسألة “القبلة الأولى”، إذ شاع أن المسلمين صلّوا أولاً نحو المسجد الأقصى ثم حُوّلت القبلة إلى الكعبة. هذا الرأي الذي رسّخته كتب الحديث والسيرة استقر في أذهان كثيرين حتى غدا وكأنه نص قرآني، بينما القرآن لم يذكر الأقصى في موضوع القبلة مطلقاً. ولأجل ذلك، كان لزاماً أن نعيد قراءة النصوص القرآنية في ضوء الروايات، وأن نكشف الفجوة بينهما.
أولاً: آيات القرآن في مسألة القبلة
النص القرآني الحاسم جاء في سورة البقرة ﴿قد نَرى تَقَلُّبَ وجهِكَ في السماءِ فلنولينّكَ قبلةً ترضاها فولّ وجهكَ شطرَ المسجد الحرامِ وحيثُ ما كنتم فولّوا وجوهكم شطرهُ وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليَعلمونَ أنّهُ الحقُّ من ربّهم وما اللهُ بغافلٍ عما يعملونَ﴾ [البقرة: 144].
﴿ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتابَ بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتكَ وما أنتَ بتابعٍ قبلتهم وما بعضهم بتابعٍ قبلةَ بعضٍ ولئن اتبعتَ أهواءهم من بعدِ ما جاءكَ من العلمِ إنّكَ إذاً لمن الظالمينَ﴾ [البقرة: 145].
هاتان الآيتان تنصان بوضوح على أن القبلة الحق هي المسجد الحرام، دون أي ذكر للمسجد الأقصى.
ثانياً: ذكر المسجد الأقصى في القرآن
لم يرد المسجد الأقصى إلا في موضع واحد:
﴿سبحانَ الذي أسرى بعبدِهِ ليلاً من المسجد الحرامِ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريهُ من آياتنا إنّهُ هو السميعُ البصيرُ﴾ [الإسراء: 1].
الذكر هنا في سياق الإسراء فقط، لا في موضوع القبلة، فالخلط بينهما جاء من الروايات، لا من النص القرآني.
ثالثاً: الروايات الحديثية حول القبلة الأولى
وردت عدة روايات في البخاري ومسلم:
• عن البراء بن عازب قال: «صلّينا مع النبي ﷺ نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم صُرفنا نحو الكعبة» (البخاري، كتاب الصلاة، حديث رقم 41).
• وعن البراء أيضاً: «أن رسول الله ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قد نَرى تَقَلُّبَ وجهِكَ في السماءِ﴾ فصُرف نحو الكعبة» (مسلم، كتاب الصلاة، حديث رقم 525).
• وفي البخاري: «أن النبي ﷺ صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يوجَّه نحو الكعبة» (البخاري، كتاب التفسير، حديث رقم 4486).
هذه الأحاديث هي التي أسست لفكرة “القبلة الأولى بيت المقدس”.
رابعاً: آراء كبار المفسرين
اعتمد كبار المفسرين على هذه الروايات، وصرّحوا أن القبلة الأولى هي بيت المقدس:
• الطبري قال في تفسيره (جامع البيان، ج2 ص6): «كان رسول الله ﷺ وأصحابه صلّوا إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة».
• القرطبي قال (الجامع لأحكام القرآن، ج2 ص150): «كان النبي ﷺ يحب قبلة أبيه إبراهيم، وكان بمكة يصلّي إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدس امتثالاً لأمر الله، ثم نزلت الآية بتحويل القبلة».
• ابن كثير قال (تفسير القرآن العظيم، ج1 ص191): «ثبت في الصحيح أنه ﷺ صلّى إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً، ثم حُوّلت القبلة إلى الكعبة، فكان ذلك امتحاناً عظيماً».
هذه النصوص تبيّن بوضوح أن المفسرين لم يستندوا إلى آيات القرآن، بل إلى الروايات الحديثية.
خامساً: الإشكال بين القرآن والروايات
1. غياب ذكر الأقصى في القرآن: لو كان قبلة مأموراً بها، لذُكر كما ذُكر المسجد الحرام.
2. اختلاف أهل الكتاب: الآية (145) تنص: “وما بعضهم بتابعٍ قبلةَ بعضٍ”، أي أن اليهود والنصارى أنفسهم لا يجتمعون على قبلة، فكيف يكون النبي موافقاً لهم؟
3. ثبات الحق: الآية (144) تؤكد أن الكعبة “الحق من ربهم”. ولو كان الأقصى قبلة مأموراً بها من الله ثم استُبدلت بالكعبة، لكان الحق تبدّل، وهذا لا يليق بوصف الحق.
سادساً: غياب التحديد القرآني للمسجد الأقصى وتضارب الآراء حوله
القرآن وصف الأقصى بأنه “الذي باركنا حوله”، ولم يحدد ماهيته بدقة: هل هو بناء قائم؟ هل هو موضع في السماء؟ أم أرض مباركة عامة؟
• بعض المفسرين قالوا: هو بيت المقدس في فلسطين.
• آخرون قالوا: هو مكان في السماء.
• وقيل: هو كل موضع مبارك من الأرض المقدسة.
غياب التحديد القرآني جعل المفسرين يعتمدون على الإسرائيليات، فظهر التضارب الكبير في الآراء.
سابعاً: الإشكال التاريخي عند الفتح
عندما فتح عمر بن الخطاب القدس، عُرضت عليه الصلاة في كنيسة القيامة، فرفض وقال: “لو صليتُ فيها لاتخذها المسلمون مسجداً”، وصلى خارجها.
↳ والسؤال: لو كان هناك مسجد قائم اسمه “الأقصى” صلّى فيه النبي ﷺ، فلماذا لم يقصده عمر مباشرة؟
هذا دليل أن الأقصى زمن النبي ﷺ لم يكن بناءً معلوماً، بل اسم لموضع مبارك لم يحدده القرآن.
ثامناً: أسطورة الهيكل ورواية القدس
• القرآن لم يذكر الهيكل ولا ربط سليمان بالقدس.
• القرائن تشير إلى أن نشاط سليمان كان في جنوب الجزيرة العربية، لا في فلسطين.
• أسطورة “هيكل سليمان” أُدخلت بعد بناء الوليد بن عبد الملك للأقصى وقبة الصخرة (72هـ).
• اليهود والمسيحيون روّجوا أن هذا موضع الهيكل، لتقويض الشرعية الإسلامية للبناء، ثم تسللت هذه الرواية إلى بعض المسلمين عبر الإسرائيليات.
إذن: ربط الأقصى بالهيكل صناعة لاحقة لأهداف سياسية ودينية، وليس حقيقة قرآنية.
الخاتمة
• القرآن جعل القبلة النهائية والحق من عند الله هي المسجد الحرام.
• المسجد الأقصى ورد في القرآن في سياق الإسراء فقط، ولم يُذكر في موضوع القبلة.
• الروايات الحديثية هي التي أدخلت فكرة “القبلة الأولى الأقصى”، لكن عند مقارنتها بالقرآن والتاريخ يظهر الاضطراب.
• آراء المفسرين الكبار (الطبري، القرطبي، ابن كثير) بُنيت على الروايات، لا على النص القرآني.
• غياب تحديد قرآني للأقصى، وموقف عمر عند الفتح، وأسطورة الهيكل كلها شواهد على أن الرواية الشائعة تحتاج إلى مراجعة نقدية

