الدكتور فيصل الشمري
كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
يأتي اليوم الوطني السعودي مناسبةً لتأمل مسيرة وطن، استطاع أن يثبت وجوده ليس فقط في محيطه الإقليمي، بل على الساحة الدولية بأكملها.
ومنذ تأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – وهي تتحرك برؤية واضحة، جعلت من الاستقرار والتنمية ركيزة لسياستها الداخلية والخارجية. ومع مرور العقود، تَحوّل هذا النهج إلى مصدر قوة، مكّن المملكة من أن تكون لاعبًا رئيسيًا في القضايا العالمية.
ثبات الموقف واستقلالية القرار
من أبرز عناصر نجاح المملكة سياسيًا هو ثبات الموقف واستقلالية القرار. فهي تتعامل مع الأحداث الدولية بمنهجية لا تنجر وراء العاطفة ولا تساير الضغوط، بل تنطلق من مصالحها الوطنية أولًا، ومن مسؤوليتها تجاه أمن واستقرار المنطقة ثانيًا. هذا النهج أكسبها احترام المجتمع الدولي، ورسّخ صورتها كدولة مسؤولة ومتوازنة في مواقفها.
القيادة في القضايا العربية والإسلامية
القضية الفلسطينية على سبيل المثال، ظلّت في قلب السياسة السعودية، ليس كشعارٍ يُرفع، بل كعملٍ دبلوماسي متواصل. فالمملكة بادرت منذ خطة الملك فهد للسلام في الثمانينات، مرورًا بمبادرة الملك عبدالله، وصولًا إلى جهودها الحالية في الأمم المتحدة، لتأكيد حق الشعب الفلسطيني وإيجاد حل عادل. هذا الدور جعل منها مرجعية سياسية لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبل المنطقة.
دبلوماسية الطاقة
لا يمكن الحديث عن ثقل المملكة من دون الإشارة إلى دبلوماسية الطاقة. فبفضل موقعها كأكبر مصدر للنفط في العالم، أصبحت الرياض لاعبًا لا غنى عنه في استقرار الأسواق العالمية. القرارات التي تتخذها المملكة داخل منظمة “أوبك+” تتجاوز حدود السوق، لتؤثر على اقتصادات دول كبرى من واشنطن إلى بكين. هذه القدرة على التأثير جعلت من المملكة طرفًا رئيسيًا في صياغة المعادلات الاقتصادية والسياسية عالميًا.
الحضور الدولي والوساطات
في السنوات الأخيرة، برزت المملكة أيضًا كوسيط دولي في ملفات معقدة. تدخلها لنجاح صفقة تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وإدارتها لعدد من الملفات الإنسانية، أكّد أن سياستها لا تقتصر على الدائرة الإقليمية، بل تمتد إلى القضايا العالمية الكبرى. هذا الحضور عزّز صورتها كقوة دبلوماسية صاعدة، تسعى للسلام وتوازن المصالح بين الأطراف المتنازعة.
بناء التحالفات الجديدة
كما استطاعت المملكة أن تُعيد رسم خريطة تحالفاتها، بطريقة تضمن مصالحها وتواكب تحولات العالم. فهي شريك استراتيجي للولايات المتحدة، لكنها في الوقت ذاته تبني علاقات متينة مع الصين وروسيا، وتفتح آفاق تعاون مع دول مثل الهند، باكستان، والاتحاد الأوروبي. هذه السياسة المتوازنة تعكس إدراك القيادة السعودية أن العالم لم يعد أحادي القطب، وأن التنوع في التحالفات هو السبيل لحماية المصالح الوطنية.
رؤية المملكة 2030 كإطار سياسي
لا يمكن فصل الإنجازات السياسية عن رؤية المملكة 2030، فهي ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل مشروع استراتيجي يعكس حضور المملكة السياسي عالميًا. حين تستثمر المملكة في قطاعات جديدة، أو تعلن استضافة قمة دولية كقمة العشرين، فإنها ترسل رسالة للعالم بأنها شريك يُعتمد عليه، يسعى لقيادة التنمية والتحول في المنطقة.
خلاصة
إنجازات المملكة السياسية لم تكن وليدة صدفة، بل نتيجة نهج متوازن، ورؤية بعيدة المدى، ومواقف ثابتة جعلت منها دولة رائدة في العالم العربي والإسلامي، وفاعلة على الساحة الدولية. في يومنا الوطني، نستحضر هذه المسيرة التي تؤكد أن المملكة اليوم ليست فقط قلب العالم العربي، بل هي أيضًا قوة سياسية مؤثرة على مستوى العالم، تسعى لبناء السلام، وتحقيق الاستقرار، ودعم التنمية

