نهر عبد الوهاب حريري
باحثة دكتوراه بجامعة الملك سعود
في اليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق الخامس من أكتوبر، أكتب عن أعظم ما يقدّمه المعلّمون لطلّابهم: ليس العلم فحسب، بل الإيمان بهم وبقدراتهم. فالمعلومة قد تُنسى، لكن الفكرة التي تُزرع لا تموت، وتستمر بالإيمان والتشجيع لتبقى في الذاكرة كضوءٍ لا ينطفئ. و هكذا يمنح المعلّم طلابه أكثر من فرصة للتعلّم، ويزرع فيهم الثقة بأنفسهم، ويوقظ في أعماقهم الشعور بأنهم قادرون على تجاوز القيود التي تعيق تقدّمهم وانطلاقهم نحو آفاق أرحب من الإبداع والتميز.
يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: “قل لي وسوف أنسى، أرِني فلعلّي أتذكّر، أشركني وسوف أفهم.”
وحده المعلم الذي يؤمن بهذا المبدأ يدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من العقول، وأن التعليم فعل من أفعال النور. فالمعلّم الأمين لا يكتفي بالتلقين، بل يجد متعته في اكتشاف ينابيع الإبداع في عقول تلاميذه، ويرى في كل منهم بذرة مثمرة تحتاج إلى من يرعاها ويسقيها بالدعم والتوجيه، حتى يزهر في داخلهم اليقين بقدرتهم على التعلّم والإنجاز، وإدراك أنهم قادرون على صنع الفارق في هذا العالم.
الثقة بالإمكانات من أنبل المبادئ الحياتية، لأنها تتجاوز القيود الزائفة وتركّز على الجوهر الإنساني. والمعلّم الذي يرى في كل طالبٍ بذرة خير، هو من يحوّل القاعات الدراسية إلى بستانٍ مزهر، تفوح فيه رائحة الأمل، وتتناثر فيه ألوان العقول كزهورٍ مختلفة، لكلٍّ منها جماله الخاص ونوره الفريد. ذلك النور الذي يحوّل الجدران الصامتة إلى فضاءٍ حي تتلاقح فيه الأفكار لتنمو الأحلام. النجاح الحقيقي ليس بالدرجات، بل بوهج العيون حين تكتشف ذاتها للمرة الأولى، وبصمت الدهشة حين تجتمع العقول وتنتج.
هكذا يتحوّل التعليم إلى فعل حياةٍ لا يقلّ جمالًا عن الزراعة أو الفنون. فالمعلّم الذي يقدر قدرات طلابه، يزرع فيهم اليقين بأنّ الطريق إلى النور يبدأ من الداخل، وأن كل فكرة صغيرة قد تكون نواة لتحول كبير. هو لا يملأ العقول فحسب، بل يفتح نوافذها لتطل على العالم.
الاستثمار الإنساني هو أصل كل تحولٍ حضاري، فمن وعي الإنسان تبدأ شرارة النهضة، ومن دفء الإيمان بقدراته تنبثق القلوب المبدعة التي لا تكتفي بالتعلّم، بل تسعى لتعيد تشكيل عالم يفكر لا يتبع.

