كتب: فهيم حامد الحامد – محلل استراتيجي
“الاستدارة نحو آسيا” لم تعد سياسة اختيارية أمريكية، بل هي ركيزة من ركائز الصراع على زعامة القرن الـ21، في ظل صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية تهدد تفوق واشنطن العالمي، فضلًا عن أهمية منطقة الإندو-باسيفيك كمركز ثقل تجاري وأمني عالمي، والحاجة الأمريكية إلى تنويع الشراكات الاقتصادية خارج أوروبا والشرق الأوسط.
جولة آسيوية
تمثل جولة الرئيس الأمريكي ترمب الآسيوية استراتيجية لإعادة التموضع الأمريكي في النظام الدولي، والاستدارة باتجاه آسيا، كونها تعكس إدراكًا استراتيجيًا أمريكيًا بأن المعركة القادمة ليست فقط عسكرية، بل تكنولوجية وتجارية واقتصادية وثقافية.
“الاستدارة ركيزة للزعامة”
سيوقّع الرئيس الأمريكي اتفاقيات تجارية وتكنولوجية وأخرى تخص المعادن الثمينة مع ماليزيا وإندونيسيا على هامش لقاءاته خلال اجتماعات رابطة دول الآسيان، مع إظهار قدرته السلمية بتوقيع اتفاق السلام بين كمبوديا وتايلاند، وتأكيد أن ذلك بجهده وحده ولا دخل للصين فيه، وتجنّب الحديث عن تايوان من جهة أخرى، لأنه يدرك حساسية القضية بالنسبة لبكين.
التحول إلى آسيا
تعد جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو آسيا تجسيدًا واضحًا لاستراتيجية “التحول إلى آسيا” التي بدأت منذ عهد الرئيس أوباما، ولكن بصيغة أكثر حدة وأقرب إلى الواقعية الاقتصادية والأمنية منها إلى الانفتاح الدبلوماسي.
هذه الجولة لم تكن مجرد زيارات بروتوكولية، بل حملت رسائل استراتيجية متعددة تعكس إعادة تموضع السياسة الأمريكية في عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب.
فرض معادلة جديدة
من أهم دلالات الجولة الآسيوية: احتواء الصين بدلًا من المواجهة المباشرة، إذ لم يسعَ الرئيس ترامب إلى صدام علني مع بكين، بل حاول فرض معادلة جديدة تقوم على ردع اقتصادي مدروس من خلال فرض الرسوم الجمركية وتقييد الاستثمارات التكنولوجية.
التركيز على أمن الحلفاء الآسيويين
يعكس توقف الرئيس ترمب في اليابان وكوريا الجنوبية تأكيد واشنطن على تحالفاتها التقليدية أمام تصاعد التهديدات الصينية والكورية الشمالية، مع تعزيز فكرة التحالف الأمني المتقدم.
وقد وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى ماليزيا، في أول محطة له ضمن جولته الآسيوية التي تشمل ثلاث دول، والتي من المتوقع أن تتوج باجتماع مرتقب للغاية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
ربط الاقتصاد بالأمن
يسعى الرئيس ترمب إلى ربط الاتفاقات التجارية بقضايا الأمن القومي، خاصة في ملفات مثل شبكات الجيل الخامس وسلاسل الإمداد، وهي رسائل موجّهة للصين بشكل غير مباشر.
كسب دول شرق آسيا
من خلال الانفتاح على الفلبين، وفيتنام، وتايلاند، يحاول ترامب إعادة تشكيل نفوذ أمريكا في منطقة كانت تميل تدريجيًا نحو الصين اقتصاديًا.
ومن المهم الإشارة إلى أن الاستدارة الأمريكية نحو آسيا ليست خيارًا أو مجرد تكتيك دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية حتمية تفرضها التحولات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها القارة الآسيوية، وفي مقدمتها:
الصعود المتسارع للصين كقوة اقتصادية وعسكرية منافسة تهدد الهيمنة الأمريكية التقليدية.
الاضطرابات في شبه الجزيرة الكورية واستمرار تهديدات بيونغ يانغ النووية.
التنافس على النفوذ في بحر الصين الجنوبي كممر تجاري استراتيجي وحيوي.
محاولة موسكو إعادة تموضعها في آسيا عبر التنسيق مع بكين وبيونغ يانغ.
هذه التحديات تُحتم على واشنطن تعزيز تحالفاتها الأمنية والتجارية في المنطقة، والانخراط بفاعلية في معادلات القوة الجديدة عبر أدوات متعددة تشمل الاقتصاد الرقمي، والقدرات العسكرية، والدبلوماسية الذكية.
وعليه، فإن الاستدارة الأمريكية نحو آسيا تشكل محورًا جوهريًا في إعادة رسم ملامح النظام الدولي المدعوم آسيويًا.

