بندر بن عبدالله بن محمد
يشيع بين الناس، حتى في بعض المقاطع المنتشرة، قولٌ غريبٌ يزعم أن أحد لفظي النبيين أو الأنبياء قد يشمل عامة الصالحين، أي كل من سار على نهج الخير والإيمان دون أن يكون نبيًّا أو مرسَلًا. وهذه مقولة لا سند لها في كتاب الله، بل يناقضها أسلوب القرآن في الدقة والتمييز بين مقام النبوّة ومقام الصلاح. فالله لم يترك لفظًا دون حكمة، ولا جمعًا دون دلالة.
بين الجمعين: لغة ودلالة
كلمة النبيّ تُجمع في القرآن على صورتين: النبيين (بغير همزة في أولها) والأنبياء (بهمزة في أولها وآخرها). وهما جمعان لكلمة واحدة، لكنّ القرآن يفرّق بينهما في السياق والدلالة.
⁃ النبيين: جمع مذكّر سالم، ويُستعمل في سياقٍ خاصٍّ حين يتحدث الله عن جماعةٍ محدَّدة من الأنبياء أُخذ عليهم الميثاق أو ذُكروا بالاسم، كما في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ…﴾ [آل عمران: 81], فهنا اللفظ يدلّ على طائفة مخصوصة من الأنبياء ارتبطوا بعهدٍ محدّد.
⁃ الأنبياء: جمع تكسير، يبدأ وينتهي بالهمزة، ويُستعمل في الحديث عن جنس الأنبياء جميعًا عبر التاريخ، دون حصرٍ أو تعداد، كما في قوله تعالى ﴿…وَيَقتُلونَ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ…﴾ [البقرة: 61], فهنا الحديث عن الأمم التي اعتدت على رسل الله عمومًا، لا عن مجموعةٍ معيّنةٍ منهم.
فالفرق إذن في الكتابة والمعنى معًا:
الأولى (النبيين) تشير إلى المخصوصين بالميثاق، والثانية (الأنبياء) تشير إلى عموم المرسلين عبر الأزمنة.
النبيين: جماعة الميثاق والاصطفاء
حين يقول الله ﴿النبيين﴾، فهو يشير إلى جماعةٍ اختصهم بالميثاق والوحي، كحلقةٍ من السلسلة المتتابعة التي بُعث فيها الرسل واحدًا بعد آخر. قال تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ…﴾ [النساء: 163].
فهذا التعبير يربط نبوّة محمد ﷺ بجذورها الممتدة منذ نوح عليه السلام، في تسلسلٍ مقصودٍ يُظهر وحدة الرسالة وتنوّع صورها.
وهذا هو معنى قوله تعالى في موضع آخر ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكمَةٍ…﴾ [آل عمران: 81], فالنبيون في هذا السياق جماعة مخصوصة، لا عموم فيها، وقد حملوا أمانة الوحي وتعاهدوا على نصرة كلّ رسولٍ يأتي بعدهم.
الأنبياء: جنس المرسلين في التاريخ
أما الأنبياء فجاءت للدلالة على جميع من بعثهم الله إلى الأمم، من غير تمييزٍ أو تقييدٍ بزمانٍ أو ميثاق.
قال تعالى ﴿…وَيَقتُلونَ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ…﴾ [البقرة: 61] فالآية تصف حال الأمم التي تمادت في معاندة الوحي وقتل حملة الرسالة، من غير أن تخصّ نبيًّا بعينه أو جماعةً محددة.
فجاء اللفظ هنا شاملاً لكلّ من أرسلهم الله عبر التاريخ، ممن كُذّب أو أوذي أو قُتل ظلمًا وعدوانًا, ومن هنا نفهم أنّ «النبيين» هم المذكورون المخصوصون بالميثاق، وأن «الأنبياء» هم جنس الرسل والنبيين جميعًا، الذين بعثهم الله في أممٍ مختلفة ليقيموا الحجة على الناس.
الاصطفاء والتفاضل الإلهي
الله جلّ وعلا اصطفى من عباده النبيين والأنبياء والرسل، واختار منهم من شاء لرسالته. وقد أمرنا أن نؤمن بجميعهم، وألا نفرّق بينهم كبشر، لأنهم جميعًا رسل الله إلى خلقه.
قال تعالى ﴿…وَالنَّبِيّونَ مِن رَبِّهِم لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمونَ﴾ [البقرة: 136]
وقال أيضًا ﴿وَرُسُلًا قَد قَصَصناهُم عَلَيكَ مِن قَبلُ وَرُسُلًا لَم نَقصُصهُم عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ موسى تَكليمًا﴾ [النساء: 164], فالله وحده يفضّل من يشاء بعلمه ومشيئته، فيجعل بعضهم أولي عزمٍ من الرسل، ويخصّ آخرين بمناجاةٍ أو بمعجزةٍ أو بكتاب. أمّا نحن فقد أُمِرنا بالإيمان بهم جميعًا دون تفريقٍ أو تمييزٍ في القدر الإنساني، لأنّ المفاضلة شأنُ الله، لا شأنُ البشر.
بين النبيّ والرسول
القرآن يُفرِّق بين النبيّ والرسول في الوظيفة لا في القيمة. فكلّ رسولٍ نبيٍّ، وليس كلّ نبيٍّ رسولًا.
⁃ النبيّ هو الذي يُوحى إليه ليُعلِّم قومه ما أنزل الله من شريعةٍ قائمةٍ، فيُجدِّد بها الإيمان، ويُذكِّر الناس بميثاقهم مع ربّهم.
⁃ الرسول هو الذي يُوحى إليه بشرعٍ جديدٍ أو بكتابٍ يُؤسِّس مرحلةً جديدةً في مسيرة الوحي.
لماذا لم يُذكر الصالحون مع الأنبياء؟
يقول الله تعالى في شأن بني إسرائيل ﴿ضُرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ ما ثُقِفوا إِلّا بِحَبلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبلٍ مِنَ النّاسِ وَباءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَت عَلَيهِمُ المَسكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُم كانوا يَكفُرونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقتُلونَ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوا وَكانوا يَعتَدونَ﴾ [آل عمران: 112]
لم يقل: “ويقتلون الصالحين” أو “العابدين”، لأنّ النبوّة مقامٌ لا يُنال بالعمل وحده، بل بالوحي والاصطفاء. فقتل الأنبياء هو تحدٍّ مباشرٌ لله، لأنهم حملةُ وحيه، لا مجرّد عبادٍ من الصالحين.
وهذا ما جعل العقوبة أشدّ، إذ لم يكونوا يعتدون على بشرٍ فقط، بل على من اصطفاهم الله لتبليغ أمره.
أما الصالحون من غير الأنبياء، فقد قال الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَالَّذينَ هادوا وَالنَّصارى وَالصّابِئينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم وَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾ [البقرة: 62]
فبيّن أن الصلاح مرتبط بالإيمان والعمل، لا بالوحي ولا بالاصطفاء.
خاتمة
يتبيّن من تدبّر الآيات أنّ:
⁃ النبيين هم جماعةٌ مخصوصة أُخذ عليهم الميثاق وحُدِّد ذكرهم.
⁃ الأنبياء هم مجموع الرسل والمبعوثين في تاريخ البشرية.
⁃ الصالحون هم أتباع الأنبياء الذين صدّقوا بالوحي وساروا على نوره.
ولذلك لم يقل الله إنهم قتلوا الصالحين، بل قال: ﴿…وَيَقتُلونَ الأَنبِياءَ بِغَيرِ حَقٍّ…﴾ [آل عمران: 112]، لأنّ الجريمة كانت في رفض الوحي نفسه، لا في ظلم الناس بعضهم لبعض.
فالأنبياء والنبيون والرسل جميعهم صفوة الخلق، والفرق بينهم في العلم والرسالة بقدر ما شاء الله، أمّا نحن فقد أُمِرنا أن نؤمن بهم كلّهم وألا نفرّق بين أحدٍ منهم، كما قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسولُ بِما أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقالوا سَمِعنا وَأَطَعنا غُفرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيكَ المَصيرُ﴾ [البقرة: 285]

