الكاتب هشام الجاسر
مهتم في المجال الثقافي والنفس
هل يحدث أن تتحول غرفة اجتماع عادية إلى قمة وعرة، وأن يقرع جرس داخلك ما أن تتجه الكاميرا إليك؟ وهل يكفي مجرد الوقوف للحديث أمام مجموعة، أو تبادل كلمة عابرة مع الجنس المغاير، أو أن تكون لثوانٍ محط أنظار الحضور، كي يضطرب تنفسك وتتوتر ملامحك كأنك أمام محاكمة؟
هل تمر بمواقف تعرف أنها «عادية»، لكن جسدك يتعامل معها كأن خطرًا حقيقيًا يتهددك؟
أنت لست وحدك. ولست «مفرطًا في التفكير»؛ أنت فقط تشترك مع آلاف البشر في تجربة لها جذور: جسد مبرمج على التأهب، وعقل يهول؛ وذلك لأن العقل يميل إلى كارثية النتائج عند إمكان التعرض للتقييم والرفض، فتقود الفكرة الاستجابة الجسدية.
هذه البرمجة غالبًا حصيلة خبرات مبكرة في الطفولة والبيت وتجارب التنمر، ويزيدها أحيانًا الاستعداد الوراثي الذي يرفع حساسية الجهاز العصبي لإشارات التقييم والرفض.
وحين نفهم جذورها، نستطيع أن نعلم جهازنا العصبي أن يهدأ، ونختار سلوكًا واعيًا لا يضغط زر الإنذار الداخلي؛ فنحصل على حضور اجتماعي مطمئن يسمح لذواتنا أن تظهر كما هي. وحين تضخم الأفكار التفاصيل، يتكلم العقل: “ترى عادي”. لا أوامر ولا لوم؛ مجرد تعديل للزاوية كي نرى الحدث على حجمه الحقيقي. هذا الموقف لا يستحق كل هذا الاستنفار. ومع التعرض المتدرج المصحوب بانتباه حاضر، يعيد الدماغ معايرته ويشق مسارًا عصبيًا بديلاً يجعل الطمأنينة هي الاستجابة الافتراضية. كرر الحضور بوعي وقدم لجسدك أدلة أمان، عندها تتحول الطمأنينة من فكرة عابرة إلى عادة عصبية سلوكية تراها في نظرتك وتسمعها في نبرتك وتحسها في حضورك.
“ترى عادي” ماء يطفئ فوران القلب حين تتكاثر الظنون، وتذكرك أن كرامتك لا تقاس بعدادات الإعجاب ولا بمقاييس الناس. اقترب بود، تكلم بصدق، واترك ما زاد على ذلك. وإذا أخذك التفكير في دوائر لا تنتهي، فاختمه بهذه الكلمة التي تعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي: ترى عادي.
تذكر، الحياة الخجولة تضيق المدى وتستهلك ما تبقى من طاقتنا على تفاصيل لا تستحق. ما نحتاجه اليوم حضور أهدأ وجرأة محسوبة؛ أن نقترب من الناس بود، ونطرح أفكارنا بلا مبالغة ولا اعتذار زائد. فالهوية ليست مشروعًا للدفاع الدائم، بل سكينة تمشي على قدمين.
تذكر أن أدنى قدر من الهدوء يوسع الرؤية، وأن جرأة صغيرة في الاتجاه الصحيح تفتح طريقًا لم يكن مرئيًا. واجعل قاعدة يومك بسيطة: افعل ما يلزم، هون ما يثقل، واسمح لنفسك أن تحيا لا أن تُمثل.
أعظم إنجاز اليوم أن تختار ببساطة حقيقتك على تعقيد إرضاء الجميع، وأن تقول لنفسك عند كل مبالغة: ترى عادي.

