د. محمد العرب
لم أكن أدرك أن للأرض صوتًا يشبه النشيج، حتى وطئتْ قدماي أطرافَ الفاشر، حيث تتداخل رائحةُ الرماد مع أنينِ الناجين، وحيث تتحوّل الخطوةُ الأولى داخل مخيمات النزوح إلى ندبةٍ لا تغادر القلبَ ما حييتَ. هناك، شعرتُ أن كل شيء يبكي: التراب، الأشجار، الخيام، والوجوه التي تحاول أن تبدو قوية رغم أنّ دموعها تنسكب داخلها بصمتٍ لا يسمعه أحد.
دخلتُ المخيمات وأنا أحمل كاميرتي ودفترَ ملاحظاتي، لكنني خرجتُ وأنا أحمل شيئًا أثقل: أرواحًا تحدثتْ إليّ بأصواتٍ مرتجفة، وأوجاعًا أكبر من أن توضع في سطور. لم أرَ في حياتي وجعًا يشبه ما رأيته في الفاشر. الوجع هناك لا يُروى… بل يسكنك.
في أول خيمة دخلتُها، جلستْ امرأةٌ منهارةٌ على ركبتيها، تضمّ بين يديها ثوبًا مبقعًا بالتراب. قالت لي: هذا كان لابني… مات وهو يحاول يحمينا. ما قدرتُ أدفنه مثل البشر… دفناه بسرعة، خايفة يرجعون يحرقوا الجثث. كانت كلماتُها تتعثر، تختنق، ثم تنكمش في لحظةِ صمتٍ ثقيل. لم أجد شيئًا يمكن أن يُقال لامرأةٍ دفنت آخرَ أطفالها بلا وداع.
في الخيمة المجاورة، كان شيخٌ تجاوز السبعين عامًا يجلس على حجرٍ صغير، ينظر نحو الأفق كأنه يبحث عن زمنٍ ضاع منه. سألته عن قريته، فقال: ما بقت قرية… صارت رمادًا. كانوا يقتلون الرجال ويطردون النساء. أنا شفتُ بعيني أربعَ جثثٍ مرمية عند البئر… البئر اللي كنا نشرب منه صارت مقبرة. ثم أضاف بصوتٍ حاول أن يبقيه ثابتًا: أنا مو خايف من الموت… أنا خايف أموت قبل ما أشوف حقي يرجع. كانت الشهادات تتدفق إليّ مثل سكاكين. كل قصة كانت تفتح جرحًا جديدًا.
في أحد الأزقة الضيقة، وجدتُ طفلةً تُمسك بقطعةِ خبزٍ يابسة وتخبئها في جيبها. قلت لها: ليش تخبّينها؟ أجابت وهي تنظر إلى الأرض: عشان ما أجوع بكرة… بكرة ما نعرف نلقى أكل أو لا. طفلٌ لم يتجاوز الثامنة يتحدث عن الغد كأنه معركةٌ خاسرة.
وما زلت أذكر تلك السيدة التي أمسكتْ بذراعي بقوة وقالت:
اكتب… اكتب كل شي شفته… لا تخلي الدنيا تنسانا.
لم أستطع أن أعدها بشيء، لأنني كنت أدرك أن الكتابة نفسها تبدو عاجزة أمام حجم الخراب الذي رأيته.
الانتهاكات التي سمعتُها وعاينتُها لم تكن مجردَ حوادثَ فردية؛ كانت كارثةً مُحكمة. قرى تم اقتحامها ليلًا، رجالٌ صُفّوا واحدًا واحدًا أمام عائلاتهم، نساءٌ اغتُصبن تحت التهديد، أطفالٌ اختفوا دون أثر. رأيتُ بعيني أمًا تبحث في كل خيمة عن ابنها، لأن مسلحين اختطفوه من أمامها عندما حاول الهرب. كانت تردد: يمكن حيّ… يمكن يسمعني… يمكن يرجع. كنت أرى في عينيها يقينًا ينهار كل ساعة، لكنها لا تسمح له بالسقوط.
في مخيمٍ آخر عند حدود الفاشر، أخبرني الأهالي عن منازلَ أُحرقت بمن فيها. حدثوني عن مقابر جماعية حفروها بأيديهم المرتجفة. حدثوني عن جثثٍ تُركت في العراء أيامًا لأن الاقتراب منها يعني موتًا آخر. حدثوني عن أحياء كاملة اختفت، وعن شبابٍ لم يعُد لهم وجود إلا في ذاكرة أمهاتهم.
وأقسى ما واجهته كان صمتُ العالم.
صمتٌ يقتل أكثرَ مما تقتل الرصاصات.
صمتٌ يجعل الفاشر تبدو كأنها مدينةٌ خارج هذا الكوكب… مدينة تُباد بينما الجميع يشاهد ولا يتحرك.
خرجتُ من المخيمات عند الغروب، والشمس كانت تغرق خلف الجبال وكأنها تشارك الناجين حدادهم. كل خطوة ابتعدتُ بها عن الفاشر كانت تشبه الخيانة. أحسست أنني أترك خلفي قلوبًا معلقة بستر الله، وأطفالًا ينامون على خوفٍ وليس على فراش، ونساءً لا يعرفن إن كنّ أمهات بعد الآن أم مجردَ شواهدَ على الفقد.
الفاشر اليوم ليست خبرًا عابرًا في نشرات العالم؛ إنها الوجعُ كله. الوجع الذي يجب أن يُكتب، أن يُصرخ به، أن يُحمل على أكتاف كل صاحب ضمير. وما دوّنته هنا جزءٌ ضئيل مما رأيته، وجزءٌ أصغر مما سمعته، وجزءٌ لا يُقارن بما عاشه أهلها.
وفي الفاشر فهمتُ حقيقةً واحدة:
أن الظلم لا يُرعب الناس بقدر ما يرعبهم النسيان.
وأن أكبر مأساة يمكن أن تحدث للإنسان… أن يُقتَل مرة، ثم يُترك ليموت مرة أخرى بصمت العالم.

