في كشف استخباراتي يزيح الستار عن “اقتصاد الحرب” الذي يغذي النزاع في السودان، ضربت وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) اليوم الثلاثاء شبكة دولية معقدة، تدار بأيدي كولومبية، وتتخصص في تجنيد المرتزقة العسكريين السابقين للقتال لصالح قوات الدعم السريع (RSF).
تأتي هذه العقوبات، التي طالت أربعة أفراد وأربعة كيانات، كرد حاسم على دور هذه الشبكة في تأجيج أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم حاليًا.
وصرح جون ك. هيرلي، وكيل وزارة الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، بأن الوزارة تستهدف شبكة لا تكتفي بتجنيد المقاتلين، بل تدعم فصيلًا أثبت مرارًا استعداده لاستهداف المدنيين، بمن فيهم “الرضع والأطفال الصغار”، مما عمق الصراع وخلق بيئة خصبة لنمو الجماعات الإرهابية.
سقوط الفاشر والبصمة الكولومبية
كشف التقرير الأمريكي عن تفاصيل ميدانية مروعة، مؤكدًا أن المرتزقة الكولومبيين لعبوا دورًا حاسمًا في سقوط مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، بيد قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار خانق استمر 18 شهرًا. وعقب السيطرة على المدينة، انخرطت القوات في عمليات قتل جماعي للمدنيين، وتعذيب ممنهج على أساس عرقي، وعنف جنسي.
وأكدت الخزانة الأمريكية أن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دأبت على القتل المنهجي للرجال والفتيان، وحتى الرضع، واستخدام الاغتصاب كسلاح حرب ضد النساء والفتيات.
يشار إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت قد صنفت ممارسات قوات الدعم السريع رسميًا كـ “إبادة جماعية” في 7 يناير 2025.
اقرأ أيضًا:
الجنائية الدولية تقضي بسجن زعيم بميليشيا الجنجويد في دارفور 20 عامًا
من “الكارتيل” إلى الخرطوم
قدمت الوزارة تفصيلًا دقيقًا لهيكل الشبكة التي يقودها “ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا” (كويخانو)، وهو ضابط كولومبي متقاعد يحمل الجنسية الإيطالية.
كويخانو، الذي كان شريكًا سابقًا لـ “كارتيل نورتي ديل فالي”، يدير عمليات تجنيد ونشر مئات العسكريين السابقين الذين سافروا للسودان منذ سبتمبر 2024 لتقديم خبرات تكتيكية في المشاة، المدفعية، وتشغيل الطائرات المسيرة، بل وتدريب الأطفال للقتال في صفوف الدعم السريع.
وتتخذ الشبكة من شركة “International Services Agency” (A4SI) في بوغوتا، التي تديرها زوجته “كلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو”، مركزًا للتجنيد عبر الإنترنت وعقد الاجتماعات لاستقطاب القناصة ومشغلي الدرونز.

غسيل الأموال وتمويه المسارات
ولإخفاء الروابط القانونية والمالية، تعتمد الشبكة على شركة “Global Staffing S.A” (المعروفة الآن بـ Talent Bridge) ومقرها بنما، لتوقيع العقود واستلام الأموال نيابة عن A4SI.
كما كشفت التحقيقات عن دور محوري لشركة “Maine Global Corp” في بوغوتا، التي يديرها “ماتيو أندريس دوكي بوتيرو”، حيث تعمل كوسيط لصرف الرواتب وتحويل العملات (من اليورو والبيزو إلى الدولار)، وقد أجرت تحويلات بملايين الدولارات خلال عامي 2024 و2025 بدعم من شركات أمريكية مرتبطة بـ “دوكي”.
وشملت العقوبات أيضًا “مونيكا مونيوز أكروس” وشركتها “Comercializadora San Bendito” لتورطها في التحويلات المالية.
وتعني هذه العقوبات تجميد كل الأصول والممتلكات التابعة لهؤلاء الأفراد والكيانات في الولايات المتحدة، وحظر التعامل معهم، في خطوة تهدف واشنطن من خلالها إلى قطع شريان الإمداد البشري والمالي عن قوات الدعم السريع.


