تدخل العاصمة الرياض، صباح اليوم الأربعاء، “ساعة الصفر” في واحدة من أكبر عمليات “إعادة ضبط المصنع” للسوق العقاري في تاريخ المملكة. فبينما تعلن الهيئة الملكية لمدينة الرياض عن القوائم النهائية للمرشحين لدخول قرعة “منصة التوازن العقاري”، تكشف التقارير الدولية والرسمية أن هذه الخطوة هي مجرد “رأس الجبل الجليدي” ضمن حزمة إصلاحات تضمنت تجميدًا للإيجارات لمدة 5 سنوات، وفتح الباب للتملك الأجنبي الكامل مطلع العام المقبل.
اقرأ أيضًا: أراضي الرياض بـ 1500 ريال.. القرعة الإلكترونية تنطلق اليوم
ساعة الحسم: 1500 ريال للمتر
الأنظار تتجه اليوم صوب الهيئة الملكية لمدينة الرياض، التي ستنهي مرحلة النظر في الاعتراضات تمهيدًا للقرعة الإلكترونية. هذا الإجراء هو الترجمة العملية لتوجيهات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، التي صدرت في سبتمبر الماضي، وتستهدف ضخ ما بين 10 آلاف إلى 40 ألف قطعة أرض سكنية سنويًا، بسقف سعري لا يتجاوز 1500 ريال للمتر المربع.

والمنصة ليست مجرد منفذ بيع، بل هي “مصفاة” تنظيمية؛ حيث تشترط أن يكون المستفيد متزوجًا أو تجاوز الـ 25 عامًا، ومقيمًا في الرياض لـ 3 سنوات، والأهم هو شرط “منع المضاربة”: حظر البيع أو التصرف لمدة 10 سنوات.
وبحسب تقرير لشركة “سي بي آر إي” (CBRE) للاستشارات العقارية، في نوفمبر الماضي، فإن هذه القيود صُممت لضمان وصول الأراضي لـ “مالكي المنازل الحقيقيين” وليس سماسرة الأراضي.
درع واق وتجميد يحمي المواطن.. ثم استثمار
بالتوازي مع فتح نافذة “التملك الميسر” للمواطنين، فرضت الجهات المعنية سياجًا من “الرقابة القانونية” لضبط إيقاع السوق، وذلك عبر إجراء مفصلي اتخذته المملكة يتمثل في “تجميد الإيجارات في الرياض لمدة خمس سنوات” للوحدات السكنية والتجارية، وهو قرار يعطي الأولوية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على النمو العقاري المرتفع.

ويأتي هذا التجميد بالتزامن مع بدء سريان جدول المخالفات الجديد الذي أقرته الهيئة العامة للعقار، والذي يفرض غرامات تصل إلى “مصادرة قيمة إيجار سنة كاملة” على المؤجرين الذين يرفعون الأسعار بشكل غير نظامي أو يمتنعون عن تجديد العقود، خاصة في الرياض التي خُصت بحماية إضافية لمنع الإخلاء القسري.
لماذا الآن؟
توقيت هذه الإجراءات الحمائية للمواطن (توزيع أراضٍ وتجميد إيجارات) لا يبدو مصادفة، بل خطوة استباقية لما هو قادم في يناير المقبل. إذ تستعد المملكة لتطبيق قانون يسمح لغير السعوديين بالتملك الكامل للعقارات، في تحول جذري يستهدف جذب 100 مليار دولار سنويًا من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول 2030.
وتخشى الأسواق عادة من أن يؤدي دخول القوة الشرائية الأجنبية إلى رفع الأسعار، لذا جاءت “منصة التوازن” و”تجميد الإيجارات” كحصانة للمواطن قبل فتح السوق.
ووفق تقرير “سي بي آر إي”، فإن السوق السعودية تشهد تعهدات بمشاريع قيمتها 440 مليار دولار، في حين تتركز 47% من المشاريع المستقبلية (البالغة 1.55 تريليون دولار) في المشاريع العملاقة وعلى رأسها “نيوم”.

حصار الأراضي البيضاء: الضريبة تقفز لـ 10%
في الشق الثالث من معادلة التوازن (العرض)، وسعت المملكة نطاق “رسوم الأراضي البيضاء” لتشمل نحو 411 مليون متر مربع في المدن الكبرى، برسوم متدرجة قفزت من 2.5% لتصل إلى 10% في بعض الحالات.
ويرى ماثيو غرين، رئيس قسم الأبحاث في “سي بي آر إي”، أن زيادة تكلفة حيازة الأراضي ستدفع الملاك إما للبيع أو التطوير، مما سيخلق وفرة في المعروض ويكبح جماح الأسعار على المدى البعيد، رغم احتمالية حدوث تقلبات قصيرة الأجل.
أزمة نجاح
الضغط الهائل على عقارات الرياض له مبرر اقتصادي قوي؛ إذ كشف وزير الاستثمار خالد الفالح أن عدد الشركات العالمية التي نقلت مقراتها الإقليمية للرياض سيصل إلى 700 شركة بنهاية العام الجاري.
هذا الزحف المؤسسي رفع نسبة إشغال المكاتب في العاصمة إلى 98%، مع نمو في إيجارات المكاتب بنسبة 15%، وهو ما يفسر استنفار “مركز الملك عبد الله المالي” لمضاعفة مساحته، وتحرك القطاع الخاص الذي يقود 80% من التطوير المكتبي الجديد.
وفي الأخير، فإنه حينما تعلن الهيئة الملكية عن الأسماء الأولى اليوم، لن يكون مجرد إعلان فائزين بقرعة، بل إعلان عن ملامح “الرياض الجديدة”: مدينة مفتوحة للاستثمار العالمي، لكنها محصنة تنظيميًا لضمان حق مواطنيها في السكن.

