عبدالله العساف
كاتب، مُختص في الإدارة والتطوير
من كان يعتقد أن عالم التخطيط والاستراتيجية هو في زمننا الحاضر فقط وفي مسار أو اتجاه واحد فهو يحتاج إلى مزيد من الثقافة والمعرفة؛ فليست الاستراتيجية استراتيجية الشركات أو المنشآت فقط، بل هي ما يحمله الإنسان من أبعاد فكرية تساعده على رسم تلك الأدوار التي تمكنه من النجاح والتفوق في تلك العملية الفكرية.
فليس الفضل للباحث أندروز الذي وضع الأسس لمفهوم التخطيط الاستراتيجي في الستينيات ولا لأنطوان هنري جوميني مؤسس الاستراتيجية الحديثة، بل الفضل للحضارة الإسلامية منذ القدم التي جعلت من الفكرة تخطيطًا واستراتيجيةً يُعمل بها للوصول لهدف، ولقوة تلك الحضارة فقد سبقت الحضارات الأخرى فكريًّا؛ فالتخطيط والاستراتيجية ليست وليدة الحضارة الحديثة كما يروج بعضهم بل هي من أبرز معالم الحضارة الإسلامية، فسيرة النبي عليه الصلاة والسلام خير شاهد وما أرشدت إليه آيات القرآن الكريم فقال الله سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ).
وفي الآية دعوة للقيادة الحكيمة بالعمل والتخطيط والاستعداد لمواجهة أمر مستقبلي، ومن الآيات التي أبرزت أهمية التخطيط المستقبلي قوله سبحانه وتعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) أي سبيلاً وسُنة وطريقاً واضحاً.
وأيضًا عندما نذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإبداعه بالتخطيط الإداري والعمراني الفذ؛ فقد نظم الدواوين وهو بيت المال والجند، وأسس نظام العسس وهي الشرطة الليلية، وخطط لإنشاء المدن الجديدة “الأمصار” مثل الكوفة والبصرة والفسطاط، وأنشأ نظاماً دقيقاً للضرائب والصدقات، ووضع تقويماً هجرياً للدولة الناشئة.
ويوسف عليه السلام وقصته في القرآن الكريم تُعتبر نموذجاً ربانياً للتخطيط الاقتصادي طويل المدى، حيث جهز خطة استراتيجية لمواجهة سنوات القحط والجفاف من خلال إدارة الموارد وتخزين الغلال لسبع سنوات.
ما كُتب ودُوّن هو الواقع لحضارة أسست التخطيط والاستراتيجية.

