عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ
ليست كل الطرق المغلقة سبباً للتوقّف.. والأخطر منها تلك المفتوحة، التي لم نسلكها، لا لأننا عاجزون، بل لأننا أقنعنا أنفسنا أن السير فيها ليس ضرورياً.
في حياتنا كثير من المسارات التي لم يُقفلها أحد في وجوهنا.. و لم تُرفع عليها لافتة «ممنوع المرور»، و لم تحرسها الأسوار، و لم تُمنع بقانون.. و مع ذلك، بقينا خارجها.
المشكلة ليست في الطريق.. بل في الفكرة التي زرعناها عنه.. فنحن نحب أن نعلّق إخفاقاتنا على أسباب صلبة : نقص الفرص، قسوة الواقع، ضيق الخيارات.. لكن الحقيقة غير المريحة أن كثيراً مما لم نفعله كان ممكناً، لو أننا تخلّينا عن وهم السلامة.
نعم وهم السلامة..
فكلمة « السلامة » تبدو حكيمة، لكنها في كثير من الأحيان ذريعة مهذّبة للخوف.
الخوف لا يأتي دائماً على هيئة فشل..
أحياناً يأتي على هيئة عقلانية زائدة، حسابات دقيقة، و تبريرات منطقية تُقنعك أن البقاء في مكانك هو القرار «الأذكى».
فنختار الطريق المألوف، لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل إزعاجاً لطمأنينتنا المؤقتة.
اللافت أن الطرق المفتوحة لا تُغري الجميع..
هي تُربك من اعتاد السير خلف الآخرين، و تُخيف من ينتظر الإذن، و تُقلق من يحتاج إلى ضمانات قبل الخطوة الأولى.
فالطريق المفتوح لا يعدك بشيء.. لا يَعِدك بالنجاح، و لا يحميك من الخطأ، و لا يمنحك شهادة سلامة مسبقة.. هو فقط يمنحك الاحتمال.
و الاحتمال فكرة مرعبة لمن تعلّم أن الحياة يجب أن تكون مضمونة، محسوبة، و خالية من المفاجآت.
كثيرون لم يخسروا لأنهم سلكوا طريقاً خاطئاً.. خسروا لأنهم لم يسلكوا طريقاً أصلاً،
اختاروا الوقوف عند المفترق، يراقبون العابرين، و يناقشون الاتجاهات، و يحلّلون التجارب.. ثم عادوا من حيث أتوا، مطمئنين لأنهم «لم يغامروا».. لكن الزمن لا يكافئ الحياد و لا ينتظر المتردّدين.
الطريق المفتوح لا يُغلق فجأة.. يُغلق تدريجياً، حين يبهت الحلم، و تضعف الرغبة، و يصبح السؤال :
«هل ما زال يستحق؟»
أقوى من السؤال :
«لماذا لم أجرّب؟»
و هنا تبدأ الخسارة الحقيقية.. حين نُعيد تعريف القناعة، لا بوصفها اختياراً واعياً، بل كتعويض أنيق عن الفرص التي فوّتناها.
نقنع أنفسنا أن ما لم نحصل عليه لم يكن مهماً، و أن ما لم نسعَ إليه لم يكن مناسباً،
و أن ما لم نبلغه لم يكن لنا من الأساس.
و هكذا نغلق الطريق بأيدينا، ثم نلوم المسافة، فالحياة لا تُقاس بعدد النجاحات فقط.. بل تُقاس بعدد الطرق التي تجرّأنا على دخولها، و ليس مطلوباً أن ننجح في كل مرة..
المطلوب فقط ألا نعيش أسرى لفكرة أن النجاة في عدم المحاولة.
فالخسارة الواضحة أهون من خسارة غير مرئية اسمها «الندم المؤجّل».
الطريق المفتوح لا يحتاج شجاعة خارقة..
يحتاج صدقاً مع النفس، و استعداداً لتحمّل نتيجة الاختيار، أيّاً كانت النتائج، تحتاج أن تقول :
«أنا اخترت»
أصدق من أن تقول :
«لم يكن هناك خيار».
في النهاية، لسنا مطالبين بأن نسلك كل الطرق.. لكننا مطالبون ألا نغلقها خوفاً قبل أن نفهمها.. فبعض الطرق لا تنتظر طويلاً،
و بعض الفرص تمرّ مرة واحدة، و بعض الأسئلة إذا لم تُطرح في وقتها، تختفي معها الإجابة.
الطريق المفتوح الذي لم نسلكه قد لا يكون هو الأجمل، و لا الأسهل، و لا الأسرع..لكنه على الأقل، الطريق الذي كنّا سنعرف فيه أنفسنا أكثر.

