تتجه هيئة التأمين إلى إحداث تحول تنظيمي واسع في آلية تعامل شركات التأمين مع مطالبات الأفراد، من خلال مشروع تنظيمي جديد يستهدف إنهاء فترات الانتظار الطويلة التي عانى منها المستفيدون لسنوات، وتقليص زمن معالجة التعويضات إلى خمسة أيام فقط بعد اكتمال المستندات.
ويأتي هذا التوجه في إطار استجابة مباشرة لمطالب متزايدة من المؤمن لهم، الذين اشتكوا مرارًا من تأخر صرف التعويضات، وما يترتب على ذلك من أعباء مالية ونفسية، خصوصًا في الحالات المرتبطة بالحوادث أو الخسائر المفاجئة. كما يعكس المشروع رؤية تنظيمية حديثة تسعى إلى جعل سرعة الإنجاز معيارًا أساسيًا لجودة الخدمة التأمينية.
تعديل جوهري في مدد معالجة مطالبات الأفراد
يتضمن المشروع التنظيمي تعديلًا جوهريًا على المادة الرابعة والأربعين من اللائحة التنفيذية لنظام مراقبة شركات التأمين التعاوني، حيث ينص التعديل المقترح على تقليص مدة معالجة مطالبات الأفراد إلى خمسة أيام عمل فقط، تبدأ من تاريخ اكتمال جميع الوثائق والمستندات المطلوبة من المستفيد.
ويمثل هذا التعديل نقلة نوعية مقارنة بالنظام السابق، الذي كان يمنح شركات التأمين مهلة تصل إلى خمسة عشر يومًا لمعالجة المطالبة، مع إمكانية تمديدها لفترة مماثلة، الأمر الذي كان يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخير غير مبرر في تسوية المطالبات، وزيادة الشكاوى المقدمة ضد شركات التأمين.
أهداف التنظيم الجديد وحماية حقوق المستفيدين
يهدف التنظيم المقترح إلى معالجة عدد من التحديات التي واجهها قطاع التأمين في السنوات الماضية، وفي مقدمتها الحد من التباطؤ في دراسة المطالبات، وتسريع الانتقال من مرحلة تقديم المطالبة إلى مرحلة التسوية النهائية.
كما يسعى المشروع إلى تعزيز ثقة المستفيدين في شركات التأمين، وتحسين صورة القطاع ككل، من خلال التأكيد على أن سرعة الاستجابة لم تعد خيارًا، بل التزامًا نظاميًا يخضع للرقابة والمساءلة.
ويرى مختصون أن هذا التوجه يعكس تحولًا في فلسفة الرقابة التأمينية، من التركيز على الجوانب الشكلية، إلى التركيز على تجربة المستفيد وجودة الخدمة الفعلية.
إلزام شركات التأمين بسرعة إيداع التعويضات
لم يقتصر المشروع التنظيمي على تقليص مدة معالجة المطالبة فقط، بل تضمن بندًا يلزم شركات التأمين بإيداع مبلغ التعويض في حساب المستفيد خلال يومين من تاريخ انتهاء فترة المعالجة النظامية.
ويهدف هذا الإجراء إلى معالجة واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين المؤمن لهم وشركات التأمين، حيث كان بعض المستفيدين يواجهون تأخيرًا إضافيًا في مرحلة الإيداع، رغم صدور قرار التسوية.
ومن شأن هذا الإلزام أن يسهم في تحسين السيولة المالية للمتضررين، ويعزز شعورهم بالعدالة وسرعة الإنصاف.
مرونة محدودة مع رقابة صارمة
ورغم تشدد المشروع في تقليص المدد الزمنية، فقد منح شركات التأمين هامش مرونة محدودًا، يسمح بتمديد مدة معالجة المطالبة إلى سبعة أيام كحد أقصى، شريطة إشعار المراقب النظامي وتقديم مبررات واضحة ومقنعة.
ويهدف هذا الاستثناء المحدود إلى مراعاة الحالات الاستثنائية أو المعقدة، دون فتح الباب أمام التمديد غير المبرر، مع ضمان بقاء هيئة التأمين على اطلاع كامل بأي تأخير قد يحدث.
دعم التحول الرقمي في معالجة المطالبات
يسعى الإطار التنظيمي الجديد إلى دفع شركات التأمين نحو تبني الحلول التقنية الحديثة، من خلال أتمتة إجراءات معالجة المطالبات، وتقليل الاعتماد على التدخل البشري في المراحل الإجرائية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى خفض الأخطاء الإدارية، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين دقة تقييم المطالبات، وبناء منظومة معالجة تعتمد على البيانات والتحليل، بما يعزز كفاءة الأداء وموثوقية قرارات التعويض.
الإبقاء على مدد مطالبات الشركات دون تغيير
في المقابل، أبقت هيئة التأمين على المدد الزمنية المعتمدة لمطالبات الشركات والمؤسسات دون تعديل، حيث لا تزال المدة القصوى لتسوية هذا النوع من المطالبات 45 يومًا من تاريخ استلام المستندات المطلوبة.
ويعود ذلك إلى الطبيعة الأكثر تعقيدًا لمطالبات الشركات، والتي تتطلب في الغالب مراجعات مالية وفنية موسعة، وتعدد أطراف، وإجراءات تحقق تختلف عن مطالبات الأفراد.
استثناءات لبعض المنتجات التأمينية
أتاح المشروع للهيئة صلاحية استثناء بعض المنتجات التأمينية من المدد الزمنية المحددة، إذا استدعت طبيعة المنتج أو المصلحة العامة ذلك، خاصة في الحالات التي تتطلب تقييمات فنية متخصصة أو تقارير خارجية.
ويهدف هذا الاستثناء إلى تحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز ودقة القرار، دون الإخلال بحقوق المستفيدين.
تنظيم تقييم الأضرار وتعزيز الرقابة
عالجت المسودة التنظيمية مسألة تأخر تقييم الأضرار، حيث ألزمت شركات التأمين بتعيين مقدر الخسائر خلال أسبوع واحد من تاريخ الإبلاغ عن الحادث، لمنع تعطيل المراحل الأولية للمطالبة.
كما شددت على ضرورة إشعار المراقب النظامي عند تجاوز أي مدة زمنية، مع تقديم مبررات مكتملة، بما يعزز الشفافية والانضباط داخل القطاع.
خطوة استراتيجية نحو قطاع تأميني أكثر كفاءة
يعكس هذا المشروع التنظيمي حرص هيئة التأمين على إعادة ضبط العلاقة بين شركات التأمين والمؤمن لهم، وفق نموذج يقوم على العدالة وسرعة الاستجابة وتوحيد معايير الخدمة.
ومن المتوقع أن يسهم التنظيم الجديد في تحسين تجربة المستفيدين بشكل ملموس، ورفع كفاءة منظومة التأمين، وتعزيز استقرار القطاع خلال المرحلة المقبلة، بما ينسجم مع أهداف رؤية السعودية 2030.

