كشفت تحقيقات لوكالة أسوشيتد برس عن وجود شبكة سرّية من مراكز الاحتجاز في جنوب اليمن، اختفى داخلها مئات، وربما آلاف، المعتقلين في إطار ملاحقة تنظيم القاعدة.
وأوضحت الوكالة، أن أبو ظبي تمارس التعذيب بشكل ممنهج وبأساليب بالغة القسوة داخل هذه السجون من بينها ما يُعرف بـ”الشواية”، إضافة إلى الضرب، والحبس داخل حاويات معدنية، والاعتداءات الجنسية، وذلك وفقا لشهادات معتقلين سابقين ومحامين ومسؤولين يمنيين
ووثّقت الوكالة ما لا يقل عن 18 سجنًا سريًا تديرها الإمارات مباشرة، أو قوات يمنية أنشأتها ودربتها، وتقع داخل قواعد عسكرية، وموانئ، ومطار الريان في المكلا، وحتى مواقع مدنية مغلقة، وتُقدَّر أعداد المختفين قسريًا بنحو 2000 شخص، ما فجّر احتجاجات متكررة لعائلات المفقودين.
وأقرّ مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية بأن القوات الأمريكية شاركت في استجواب معتقلين داخل اليمن، وقدّمت أسئلة لشركائها الإماراتيين، لكنها نفت المشاركة في أي تعذيب أو العلم بحدوثه، غير أن خبراء قانونيين أكدوا أن الحصول على معلومات انتُزعت تحت التعذيب قد يشكّل انتهاكًا للقانون الدولي، وربما جريمة حرب.
أين توجد السجون السرية؟
وتوجد هذه السجون السرية داخل قواعد عسكرية، وموانئ، ومطار، وفلل خاصة، بل وحتى داخل نادٍ ليلي، ووفقًا لوزير الداخلية اليمني حسين عرب وآخرين، جرى نقل بعض المعتقلين جوًا إلى قاعدة إماراتية عبر البحر الأحمر في إريتريا.
وتشارك القوات الأمريكية في استجواب معتقلين في مواقع داخل اليمن، وتزوّد شركاءها الإماراتيين بأسئلة للاستجواب، وتتلقى منهم نصوصًا مكتوبة لمحاضر التحقيق، وأضافوا أن القيادات العسكرية الأميركية العليا كانت على علم باتهامات التعذيب في السجون اليمنية، وحققت فيها، لكنها خلصت إلى عدم وقوع انتهاكات عندما كانت القوات الأمريكية حاضرة، وفقا لعددٍ من مسؤولي الدفاع الأمريكيين.
وقالت المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأمريكية، دانا وايت، تعليقًا على نتائج التحقيق: “نلتزم دائمًا بأعلى معايير السلوك الشخصي والمهني. ولن نغضّ الطرف عن أي انتهاكات، لأننا ملزمون بالإبلاغ عن أي خرق لحقوق الإنسان”.
نفي إماراتي
وفي بيان لوكالة أسوشيتد برس، نفت حكومة الإمارات هذه الاتهامات، مؤكدة: “لا توجد مراكز احتجاز سرية، ولا يُمارس تعذيب السجناء أثناء التحقيق”.
لكن داخل اليمن الذي تمزقه الحرب، يقول محامون وأقارب معتقلين إن نحو ألفي رجل قد اختفوا داخل هذه السجون السرية، وهو رقم مرتفع إلى حدّ أثار احتجاجات شبه أسبوعية لعائلات تبحث عن معلومات بشأن أبنائها وإخوتها وآبائها المفقودين.
جريمة حرب
ولم يزعم أي من عشرات الأشخاص الذين قابلتهم الوكالة أن محققين أمريكيين شاركوا مباشرة في أعمال التعذيب لكن الحصول على معلومات استخباراتية يُحتمل أنها انتُزعت تحت التعذيب على يد طرف آخر يُعدّ انتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وقد يرقى إلى جريمة حرب، بحسب رايان غودمان، أستاذ القانون في جامعة نيويورك والمستشار الخاص السابق لوزارة الدفاع الأميركية.
التعذيب بالشواية
وفي مجمّع احتجاز رئيسي داخل مطار الريان بمدينة المكلا جنوب اليمن، وصف معتقلون سابقون كيف جرى حشرهم داخل حاويات شحن ملوّثة بالبراز، وتقييد أعينهم لأسابيع متواصلة، وقالوا إنهم تعرضوا للضرب، وربطوا على “الشواية”، وتعرضوا لاعتداءات جنسية.
وقال أحد أفراد قوات “نخبة حضرموت”، وهي قوة أمنية يمنية أنشأتها الإمارات، كانت القوات الأمريكية في بعض الأحيان على بُعد أمتار قليلة فقط،
وقال أحد المعتقلين السابقين، الذي احتُجز ستة أشهر في مطار الريان: “كنا نسمع الصراخ. المكان كله يعيش في حالة رعب. معظم المعتقلين مرضى، والبقية على شفا الموت. أي شخص يشتكي يُنقل مباشرة إلى غرفة التعذيبية”، وأضاف أنه جُلد بأسلاك معدنية ضمن الضرب المتكرر الذي يتعرض له المعتقلون، كما قال إنه وُضع داخل حاوية معدنية وأشعل الحراس نارًا أسفلها لملئها بالدخان.
وأجرت الوكالة مقابلات مع عشرة معتقلين سابقين، وأكثر من اثني عشر مسؤولًا في الحكومة اليمنية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ونحو عشرين من أقارب المعتقلين، ولم يرد مدير سجن الريان، المعروف لدى العائلات والمحامين بأنه إماراتي، على طلبات التعليق.
اختفاء قسري
وقالت لورا بيتر، المستشارة القانونية العليا للأمن القومي في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن هذه الانتهاكات “تُظهر أن الولايات المتحدة لم تتعلم الدرس بعد، وأن التعاون مع قوات تمارس التعذيب وتدمّر العائلات ليس وسيلة فعّالة لمحاربة الجماعات المتطرفة”، وكانت المنظمة قد أصدرت تقريرًا يوثق التعذيب وحالات الاختفاء القسري في السجون التي تديرها الإمارات، ودعت أبوظبي إلى احترام حقوق المحتجزين.
دعوات لإجراء تحقيق أممي
بدورها، دعت منظمة العفو الدولية إلى إجراء تحقيق تقوده الأمم المتحدة “في دور الإمارات وغيرها من الأطراف في إنشاء هذه الشبكة المروّعة من مراكز التعذيب”، وكذلك في مزاعم استجواب الولايات المتحدة لمعتقلين أو حصولها على معلومات يُحتمل انتزاعها تحت التعذيب.
وقالت لين معلوف، مديرة البحوث في الشرق الأوسط بالمنظمة: “من الصعب تصديق أن الولايات المتحدة لم تكن تعلم، أو لم يكن بوسعها أن تعلم، بوجود خطر حقيقي للتعذيب”.
وقال العميد اليمني فرج سالم البحسني، قائد المنطقة العسكرية الثانية في المكلا وقتها، إن القوات الأمريكية ترسل أسئلة إلى القوات الإماراتية التي تحتجز المعتقلين، والتي بدورها ترسل ملفات ومقاطع فيديو تتضمن الإجابات، وهو ما أكده مسؤولون أمريكيون للوكالة، وأضاف أن الولايات المتحدة سلمت السلطات اليمنية قائمة بأسماء مطلوبين، اعتُقل العديد منهم لاحقًا، لكنه نفى تسليم المعتقلين للأميركيين، واعتبر تقارير التعذيب “مبالغًا فيها”.
وتعيد شبكة السجون هذه إلى الأذهان مراكز الاحتجاز السرية التي أنشأتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر لاستجواب مشتبهين بالإرهاب، والتي أغلقها الرئيس باراك أوباما عام 2009، وقد أُنشئت الشبكة الإماراتية في اليمن خلال إدارة أوباما، ولا تزال تعمل حتى اليوم.
وتقول وزارة الدفاع الأمريكية إن عددًا محدودًا من القوات الأمريكية يتحرك بشكل دوري داخل اليمن، ويعمل أساسًا على طول الساحل الجنوبي.
وصعّدت الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، من ضرباتها بالطائرات المسيّرة إلى أكثر من 80 ضربة هذا العام، مقارنة بنحو 21 ضربة في عام 2016، كما نُفذت عمليتا إنزال كوماندوز على الأقل ضد القاعدة، قُتل في إحداهما جندي من قوات «سيل» البحرية، إلى جانب ما لا يقل عن 25 مدنيًا، ولم يكن دور الولايات المتحدة في استجواب معتقلين في اليمن قد أُقرّ به علنًا من قبل.
وقال ضابط يمني، أفاد بأنه خدم لفترة على متن سفينة قبالة الساحل، إنه شاهد نقل معتقلين اثنين على الأقل إلى السفينة لاستجوابهما، حيث أُخذا إلى أسفل السفينة، وقيل له إن “خبراء كشف الكذب” و “خبراء نفسيين” أميركيين أجروا التحقيق، ولم يُسمح له بدخول تلك الأقسام، وتحدث الضابط شريطة عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام.
ونفى مسؤولون كبار في وزارة الدفاع الأمريكية بشكل قاطع إجراء أي استجوابات على متن سفن، وقال جوناثان ليو، المتحدث باسم وكالة الاستخبارات المركزية: “لا تعليق لدينا على هذه الادعاءات المحددة”، مضيفًا أن أي مزاعم بإساءة المعاملة تُؤخذ على محمل الجد.
ولم يحدد الضابط اليمني ما إذا كان “الأمريكيون على السفن” عسكريين أم عناصر استخبارات أم متعاقدين خاصين، غير أن مسؤولين يمنيين كبيرين آخرين، أحدهما في وزارة الداخلية التابعة للرئيس عبد ربه منصور هادي، والآخر في المنطقة العسكرية الأولى بحضرموت، إضافة إلى مسؤول أمني سابق، أكدوا جميعًا أن أمريكيين أجروا استجوابات في البحر.
وعلمت الوكالة أسماء خمسة مشتبهين احتُجزوا في هذه المواقع السرية وقيل إن أمريكيين استجوبوهم، وقد حدّد الضابط اسم أحدهم، فيما عرّف معتقلون سابقون بأربعة آخرين قالوا إن هؤلاء أخبروهم شخصيًا بتعرضهم لاستجواب أميركي.
وقال أحد المعتقلين، الذي لم يُستجوب من قبل الأمريكيين، إنه تعرّض للضرب المتواصل على يد حراسه اليمنيين، لكنه خضع لاستجواب واحد فقط، وختم قائلًا: “أفضل أن أموت وأذهب إلى الجحيم على أن أعود إلى هذا السجن. إنهم لا يعاملون الحيوانات بهذه الطريقة. حتى لو كان المعتقل هو بن لادن، لما فعلوا هذا”.

