منى الثبيتي – الوئام
في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان، يعود الجدل ذاته هل يمكن رؤية الهلال مساء الثلاثاء أم أن الانتظار سيمتد ليوم آخر؟ وبين الترقب الشعبي والاستعدادات المتسارعة، يقف العلم بهدوئه المعتاد ليقدّم أرقامه وحساباته.
الباحث الفلكي بقسم علوم الفلك والفضاء في جامعة الملك عبدالعزيز، ملهم هندي، يرى أن المسألة ليست تقديرات عشوائية أو توقعات عامة، بل معادلات دقيقة يمكن حسابها مسبقًا. يوضح أن العوامل الفلكية المرتبطة بالأهلة تُترجم إلى مؤشرات رقمية واضحة، تُقارن بإحصائيات أرصاد سابقة لمعرفة مدى اقترابها من ظروف الرؤية القياسية، سواء بالعين المجردة أو عبر التلسكوبات أو باستخدام تقنيات التصوير الفلكي.
أحد أبرز هذه المؤشرات هو «الاستطالة»؛ الزاوية الفاصلة بين الشمس والقمر. كلما اتسعت هذه الزاوية، ابتعد القمر عن وهج الشمس، وخفّ تأثير ضوئها على الهلال الوليد، فتزداد فرص رصده. أما إذا كانت الزاوية ضيقة، فإن ضوء الشمس يطغى على المشهد، ليبقى الهلال مختبئًا في ضيائه.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فعمر الهلال، والمدة التي يمكثها في السماء بعد غروب الشمس، عنصران حاسمان في معادلة الرؤية. دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين إمكانية الرصد واستحالته.
ومع أن بعض المناطق قد تختلف في ظروفها، إلا أن إمكانية الرؤية داخل المملكة لا تتباين كثيرًا إذا تشابهت الظروف الجوية. لذلك تُختار مواقع مرتفعة، بعيدة عن التلوث الصناعي، مع متابعة دقيقة لحالة الطقس قبل إعلان أي نتيجة.
وفي المشهد ذاته، جاء بيان مركز الفلك الدولي ليحسم الجدل علميًا. فبحسب المركز، ستتحرى معظم الدول هلال رمضان مساء الثلاثاء 17 فبراير 2026، إلا أن المعايير الفلكية المنشورة في أبحاث علمية محكمة تشير إلى أن الرؤية في ذلك اليوم تتراوح بين «المستحيلة» و«غير الممكنة» في العالم العربي والإسلامي، سواء بالعين المجردة أو باستخدام التلسكوبات أو حتى عبر تقنيات التصوير المتقدمة.
السبب، كما أوضح البيان، يعود إلى أن القمر سيغرب قبل الشمس في شرق العالم الإسلامي، ويغرب معها في وسطه، ثم يغرب بعدها بدقائق محدودة في غربه؛ وهي فترة لا تكفي لينتقل من طور المحاق إلى طور الهلال القابل للرصد. كما أن بُعده الزاوي عن الشمس سيكون أقل بكثير من الحد الأدنى المعتمد عالميًا لإمكان الرؤية، ومن ذلك حد «دانجون» الذي يقرّ باستحالة رؤية الهلال إذا كان بعده أقل من نحو سبع درجات.
وبناءً على هذه المعطيات، يُتوقع في الدول التي تشترط الرؤية الصحيحة لبدء الشهر الهجري أن يكون الأربعاء 18 فبراير متممًا لشهر شعبان، وأن يكون الخميس 19 فبراير 2026 أول أيام شهر رمضان المبارك، فيما قد تعلن بعض الدول غرة الشهر يوم الأربعاء وفق معايير مختلفة تعتمدها.
الجدير بالذكر أن جدلًا واسعًا بين عدد من الفلكيين استبق رؤية الهلال؛ إذ قال الخبير الفلكي الدكتور خالد الزعاق إن يوم الأربعاء 18 فبراير غرة شهر رمضان المبارك بحول الله، وستكتمل عدته 30 يومًا.
كما أوضحت الدكتورة أفنان بنت عبداللطيف الملحم، أستاذ المناخ المساعد، أنه علميًا يوم الثلاثاء 29 شعبان: القمر مولود، إلا أن ولادته لا تعني بالضرورة إمكانية رؤيته، إذ لا تنطبق شروط الرؤية لا بالعين المجردة ولا بأقوى وسيلة ممكنة، مشيرةً إلى أنه «فلكيًا-حسابيًا» القمر مولود مغرب الثلاثاء وفق التقويم.
وهكذا، وبين شغف المترقبين ودقة الحسابات الفلكية، يبقى الإعلان الرسمي هو الحاسم في دخول الشهر ، فيما تستمر الأرقام في تقديم قراءتها المسبقة لظروف الهلال.
وكانت المحكمة العليا، دعت عموم المسلمين في جميع أنحاء المملكة إلى تحري رؤية هلال شهر رمضان مساء اليوم الثلاثاء 29 / 8 / 1447هـ -حسب تقويم أم القرى-.
ويشهد مرصد تمير الجديد أول أعمال ترائي لهلال شهر رمضان، إثر تدشينه من صاحب السمو الأمير الدكتور فيصل بن عبدالعزيز بن عيّاف مؤخرًا؛ ليكون موقعًا مخصصًا لاجتماع المترائين ورصد الأهلة وفق أسس علمية وتنظيمية معتمدة.

