سلمان الشريدة
يشهد العالم اليوم مرحلة غير مسبوقة من التفكك والإنهاك في بنية النظام الدولي؛ مرحلة لم تعد فيها القواعد التي حكمت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية قادرة على ضبط السلوك السياسي أو كبح منطق القوة.
هذا التحول لا ينعكس فقط على توازنات القوى الكبرى، بل يترك أثره المباشر على مناطق الهشاشة، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، الذي يقف في قلب صراع الإرادات العالمية ومشاريع النفوذ المتعارضة.
المنطقة تعيش حالة سيولة استراتيجية تتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع النزاعات المؤجلة، وتتصاعد فيها أدوار الفاعلين من غير الدول، على حساب الدولة الوطنية.
في ظل هذا المشهد، تتآكل فكرة السيادة، ويُعاد تعريف الأمن وفق منطق الأمر الواقع، لا وفق الشرعية الدولية. الأخطر من ذلك أن القانون الدولي بات يُطبّق بانتقائية، ما أفقد المؤسسات الأممية قدرتها على الردع، وفتح الباب أمام شرعنة الفوضى وتطبيع الأزمات.
تحديات هذه المرحلة متعددة الأبعاد. فهناك أولاً تآكل القواعد الناظمة للنظام الدولي، حيث لم تعد الحدود، ولا سيادة الدول، ولا حقوق الشعوب خطوطاً حمراء حقيقية.
ثم يأتي الاستقطاب الدولي الحاد، الذي يحول الأزمات الإقليمية إلى ساحات صراع بالوكالة، ويغذي النزاعات بدل احتوائها. وفي موازاة ذلك، نشهد صعود الفواعل غير الدولتية من ميليشيات عابرة للحدود، تستثمر الفوضى وتعيد إنتاجها، مهددة مفهوم الدولة ذاته.
لم يعد الأمن منفصلاً عن أدوات الضغط؛ فالطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد تحولت إلى أوراق سياسية، تُستخدم لفرض النفوذ أو كسر الإرادات، ما ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدول.
أما على مستوى القيادة العالمية، فالعالم يعاني فراغاً قيادياً حقيقياً؛ إذ لم تعد القوى الكبرى قادرة على التوافق على إدارة النظام الدولي، ولا راغبة في إصلاحه، ما جعل المبادرات الأحادية هي القاعدة لا الاستثناء.
في خضم هذا المشهد المضطرب، يبرز الدور السعودي بوصفه دوراً توازنياً محورياً، لا ينخرط في مشاريع الصدام، ولا يستثمر في الفوضى، بل يعمل على كبحها. فالسعودية تبنت مقاربة تقوم على حماية الدولة الوطنية، ورفض الميليشيات، واحترام السيادة، وربط الأمن بالحلول السياسية لا بالحلول العسكرية وحدها. وهي مقاربة لا تنطلق من المثالية، بل من واقعية سياسية تدرك أن استمرار الفوضى يهدد الجميع بلا استثناء.
ما يميز الدور السعودي أنه لا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يسعى إلى صناعة الأمن عبر دعم مسارات الحوار، ورعاية التسويات السياسية، وتثبيت الهدن الإنسانية، وحماية الملاحة الدولية، إلى جانب بناء شراكات إقليمية ودولية قائمة على المصالح المتبادلة والاستقرار طويل المدى.
وفي الوقت ذاته، تطرح المملكة نموذجاً مختلفاً يربط بين التنمية والاستقرار، باعتبار أن الاقتصاد القوي، والحوكمة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان هي خط الدفاع الأعمق ضد التطرف والانهيار.
إن الشرق الأوسط يعيش لحظة اختبار تاريخية في ظل نظام عالمي مترهل، حيث تتصارع مشاريع الفوضى مع منطق الدولة، ومشاريع الهيمنة مع مفاهيم السيادة.
وفي هذه اللحظة، لا يبدو الدور السعودي خياراً سياسياً عابراً، بل ضرورة استراتيجية؛ لأنه يمثل صوت العقل في زمن الاضطراب، ويجسد نموذج الدولة التي توازن بين الصلابة في الموقف، والمرونة في الدبلوماسية، وبين حماية المصالح والدفاع عن مبادئ الاستقرار. وفي عالم أقل يقيناً، تصبح هذه المعادلة هي الفارق بين الانهيار وإمكانية إعادة التوازن.

