في مشهد يعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية المتجذرة، استقبل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في محافظة جدة، في زيارة أخوية توجت بلقاء ثنائي على مائدة الإفطار الرمضانية.
هذه القمة التي تتجاوز في دلالاتها أبعاد اللقاءات البروتوكولية المعتادة، ترسم بوضوح ملامح التنسيق المشترك بين العاصمتين الأكبر تأثيرًا في المنطقة، في ظل مرحلة جيوسياسية بالغة التعقيد يشهدها الشرق الأوسط والعالم.
أظهرت اللقطات المصورة المرفقة للزيارة وصول طائرة الرئاسة المصرية إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، حيث ترفرف أعلام المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية جنبًا إلى جنب، في إشارة بصرية واضحة لتطابق الرؤى والمواقف.
وكان سمو ولي العهد في مقدمة مستقبلي فخامة الرئيس المصري عند سلم الطائرة، وتبادلا عناقًا حارًا ومصافحة ودية عكست الكيمياء الشخصية العالية بين القيادتين، قبل أن يسيرا معًا على السجاد الخزامي الأنيق وسط ترحيب رسمي، بمشاركة السفير المصري في الرياض، والقنصل العام المصري في جدة، وأعضاء السفارة.
كذلك وثقت الصور الفوتوغرافية مشهدًا استثنائيًا يجمع سمو ولي العهد وفخامة الرئيس المصري في جلسة أخوية على مائدة الإفطار، وسط أجواء رمضانية تعبق بالأصالة، حيث تناولا التمر والقهوة في قاعة ذات طراز معماري عربي أصيل يتزين بالنقوش الخشبية. هذا المشهد الدافئ شكل غطاءً إنسانيًا لمباحثات استراتيجية عميقة تلامس أمن واستقرار ومستقبل أكثر من 140 مليون مواطن في كلا البلدين.
دبلوماسية الحكمة.. جبهة موحدة ضد التدخلات الخارجية
تكتسب هذه الزيارة الاستثنائية أهميتها من توقيتها الحساس؛ إذ تتزامن مع تطورات متسارعة في المنطقة تستوجب أعلى درجات التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين.
وتؤكد الزيارة تقدير الرئيس المصري للدور القيادي البارز الذي تلعبه المملكة العربية السعودية على المستوى الإقليمي، ومكانتها السياسية والاقتصادية المرموقة دوليًا.
وفي هذا السياق، تنتهج الرياض والقاهرة سياسات خارجية واضحة المعالم، ترتكز على تشجيع الحلول السلمية للمشكلات والنزاعات الإقليمية والدولية.

وتشكل العاصمتان حائط صد منيع عبر تعزيز العمل المشترك لإحلال السلم والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، معلنتين معارضتهما الصريحة والقاطعة لأي تدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، أو أي محاولات لتهديد استقرارها وتقويض مصالح وحاضر شعوبها.
ولضمان ديمومة هذا التنسيق، تحرص حكومتا البلدين الشقيقين على استمرارية التواصل عبر الزيارات المتبادلة، واجتماعات اللجان الدورية، لخدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.
شراكة المليارات.. أرقام تتحدث بلغة «الرؤية»
على الصعيد الاقتصادي، لا يقتصر التحالف السعودي المصري على التفاهمات السياسية، بل يمتد ليشمل شراكة اقتصادية استراتيجية يتم العمل على نقلها إلى آفاق أوسع، استكشافًا للفرص الاستثمارية الواعدة التي تتيحها «رؤية المملكة 2030» و«رؤية جمهورية مصر العربية 2030».
تعكس لغة الأرقام متانة هذه الروابط التجارية؛ حيث قفز حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال العام 2024م ليسجل نحو 16.348 مليار دولار، محققًا نسبة نمو استثنائية بلغت 28% مقارنة بالعام الذي سبقه.
واستمرت هذه الوتيرة الإيجابية لتسجل التجارة البينية نحو 13.312 مليار دولار حتى نهاية الربع الثالث من العام 2025م.
وتُوجت هذه الحيوية الاقتصادية في أكتوبر 2025م، عبر اجتماعات فريق المتابعة للجنة السعودية المصرية المشتركة، والتي أسست لمرحلة جديدة من الشراكة بتخريج واعتماد 38 مبادرة استراتيجية، إلى جانب توقيع 4 مذكرات تفاهم شملت قطاعات حيوية، مما يعكس نضوج التعاون التنموي بين البلدين.
شرايين التنمية.. الطاقة كجسر للعبور نحو المستقبل
وفي مسار موازٍ للنمو التجاري، يبرز مشروع الربط الكهربائي السعودي المصري كواحد من أهم المشاريع الاستراتيجية التي تجسد التكامل الفعلي. سيسهم هذا المشروع الضخم في تعزيز موثوقية الشبكات الكهربائية الوطنية في كلا البلدين ودعم استقرارها بشكل جذري.
ولا يتوقف طموح المشروع عند تبادل الطاقة التقليدية، بل يمتد لتحقيق الاستفادة المثلى من قدرات التوليد المتاحة، وتمكين الرياض والقاهرة من الوصول إلى مستهدفاتهما البيئية الطموحة عبر إدخال مصادر الطاقة المتجددة ضمن المزيج الأمثل لإنتاج الكهرباء، مما يخلق سوقًا إقليمية نشطة لتفعيل التبادل التجاري للطاقة الكهربائية.
الخطوط الحمراء.. أمن البحر الأحمر وشريان النيل
وتولي القيادة الرشيدة في المملكة العربية السعودية اهتمامًا خاصًا لدعم جمهورية مصر العربية، وهو ما تجلى تاريخيًا في العديد من المواقف المفصلية التي قدمت فيها المملكة دعمًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق، إيمانًا منها بأن أمن واستقرار مصر هو ركيزة أساسية لأمن المنطقة بأسرها.
وتبرز قوة هذا التحالف في موقف المملكة الداعم وبقوة لحق مصر المطلق في الحفاظ على أمنها المائي، والذي تعتبره الرياض جزءًا لا يتجزأ من «الأمن المائي العربي».
كما تتضامن المملكة بشكل كامل مع الموقف المصري الداعي إلى التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحكم عمليات تعبئة وتشغيل «سد النهضة» الإثيوبي، رافضة اتخاذ أي إجراءات أحادية من شأنها الإضرار بالحصص التاريخية والثابتة لمصر والسودان في مياه النيل.
وأمنيًا وعسكريًا، يمثل تأمين الملاحة في البحر الأحمر أولوية قصوى للبلدين، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المستمرة التي تستهدف استقرار سلاسل الإمداد العالمي.
ولمواجهة هذه التحديات، أبرم البلدان بروتوكول تعاون متقدم لدعم جهود الأمن البحري، في خطوة استراتيجية تندرج ضمن مساعي تعزيز التعاون العسكري الوثيق بين القوات البحرية السعودية والمصرية، لضمان بقاء هذا الممر المائي الحيوي آمنًا ومفتوحًا أمام التجارة العالمية.
إن اللقاء الذي جمع سمو ولي العهد بالرئيس المصري في جدة، لا يمثل مجرد مأدبة إفطار رمضانية عابرة، بل هو تجديد لعهد وثيق بين بلدين أدركا أن استقرار المنطقة يبدأ وينتهي بتوافق الرياض والقاهرة، في شراكة تزداد رسوخًا مع كل تحدٍ يلوح في الأفق.

