د. محمد العرب
ليست العبارة شتيمة ولا حتى صرخة غضب، إنها جملة سياسية باردة خرجت من عقل دولة، لا من انفعال شارع…!
عندما قيلت، لم تكن تعبيرًا عن كراهية عرق، بل عن إدراك مبكر لقانون الجوار بين القوى الكبرى: الاحتكاك المستمر يولّد استنزافًا دائمًا، والاستنزاف الطويل يُعيد تشكيل الهوية، والسياسة، والمصير.
العرب والفرس ليسوا شعبين طارئين على التاريخ. كلاهما حضارة عريقة، وكلاهما يمتلك ذاكرة إمبراطورية. المشكلة لم تكن يومًا في الثقافة، بل في الجغرافيا. العبارة تختصر مفهومًا استراتيجيًا بالغ العمق: أحيانًا، المسافة هي أعظم أدوات السلام.
في علم الجيوبوليتيك، الدول المتلاصقة ذات التاريخ التنافسي تميل إلى دورات متكررة من الصراع. ليس لأن الشعوب تكره بعضها، بل لأن المصالح تتصادم تلقائيًا عند خطوط النفوذ. من هنا، يصبح “الجبل من نار” استعارة لحاجز أمني يمنع الاحتكاك المزمن.
عبر القرون، كان المسرح العراقي–الخليجي هو منطقة الاحتكاك الكبرى بين المجال العربي والمجال الفارسي. من القادسية إلى حروب القرن العشرين، إلى صراعات النفوذ الحديثة، بقيت الجغرافيا هي العامل الثابت. تتغير الأنظمة، لكن خطوط التماس لا تختفي.
حين نتحدث اليوم عن أمن الخليج، عن الممرات البحرية، عن مضيق هرمز، عن التوازنات الإقليمية، فإننا في الحقيقة نعيد صياغة السؤال ذاته: كيف ندير الجوار دون أن يتحول إلى ابتلاع؟
الجبل من نار ليس دعوة للحرب. هو دعوة لإدارة المسافة.
السياسة الحديثة لا تبنى على الشعارات، بل على الردع والتوازن.
الدولة التي لا تصنع حواجزها الأمنية بوعي، تفرض عليها الظروف حواجز بالقوة. والحاجز قد يكون جغرافيا طبيعيةً، أو تحالفًا عسكريًا، أو توازن ردع، أو عمقًا استراتيجيًا.
الدول الناضجة لا تكره. لكنها تحمي نفسها وهنا تكمن عبقرية العبارة: لم تقل “لنقاتلهم” بل قالت “ليت بيننا وبينهم جبلًا” أي ليت الجغرافيا تحسم ما قد تعجز السياسة عن حسمه.
في عالم اليوم، الجبال تُصنع بالتحالفات، وبالاقتصاد القوي، وبالاستقرار الداخلي، وبوحدة الصف. حين يكون الداخل صلبًا، يصبح الخارج أقل قدرة على الاختراق. وحين تتماسك الجبهة، يقل أثر الاحتكاك.
العرب اليوم ليسوا في حاجة إلى استدعاء صراعات الماضي، بل إلى قراءة دروسه. الاحتكاك غير المنضبط يولد الحروب، وأزماتٍ وتوتراتٍ مستمرةً، واستنزافًا طويل الأمد. أما المسافة المدروسة، فتصنع توازنًا يحمي الجميع.
التاريخ يُثبت أن القوى المتجاورة التي لا تضبط حدود نفوذها تعيش في حالة اشتباك دائم.
أوروبا احتاجت قرونًا من الحروب قبل أن تصنع منظومة توازن واضحة. آسيا شهدت صراعات مشابهة قبل أن تتبلور خطوط ردع مستقرة.
في منطقتنا، ما زال سؤال “المسافة” مطروحًا، هل تكون المسافة جدارًا نفسيًّا؟ أم توازنًا عسكريًا؟ أم اتفاقًا سياسيًا صارمًا؟
الجبل من نار في زمننا ليس نارًا حقيقية، بل قدرة ردع تمنع المغامرة. هو وضوح في خطوط السيادة. هو رسالة تقول: الجوار لا يعني الذوبان.
الخطأ أن نقرأ العبارة كتحريض. الصواب أن نقرأها كتحذير استراتيجي مبكر من مخاطر الاحتكاك غير المحسوب بين مشاريع كبرى.
العرب اليوم ليسوا في حالة حرب حضارية مع أحد، لكنهم في حالة دفاع دائم عن استقرارهم. والاستقرار لا يُحمى بالأمنيات، بل ببناء الحواجز الذكية.
الجبل من نار ليس رفضًا للتعايش، بل حماية لشروطه. فالتعايش لا ينجح حين تكون الحدود رخوة، ولا يستمر حين تكون السيادة قابلة للاختبار كل يوم. ربما لم يكن القائل المختلف على هويته يتمنى نارًا فعليةً، بل كان يتمنى وضوحًا جغرافيًا يحمي الدماء من أن تسيل مرة أخرى.
في السياسة، أحيانًا أفضل العلاقات هي تلك التي تُدار من خلف جبل، وإن لم تمنحنا الطبيعة جبلًا، فعلينا أن نصنعه بالحكمة، والقوة، والاتزان، ذلك هو الدرس.
ختامًا.. وبعد الاعتداءات الإرهابية الأخيرة على جيرانه أثبت النظام الإيراني مجددًا أنه مشروع فوضى لا دولة، يتغذى على الأزمات ويزرع الحرائق في جواره. سياساته المتهورة مقامرة بأمن المنطقة، وخطابه المزدوج لا يخدع أحدًا، من يختبر صبر الشعوب سيكتشف أن الصبر ليس ضعفًا، بل حسابًا مؤجلًا بثمن باهظ…!

