في ظل التحولات الجذرية والتطورات التقنية المتسارعة التي يشهدها سوق العمل العالمي، يندفع العديد من شباب ما يُعرف بـ «الجيل Z» نحو قطاعات مهنية محددة يعتبرونها «محصنة ضد الذكاء الاصطناعي»، مثل الرعاية الصحية والتعليم، أملاً في تأمين مستقبلهم المهني وتجنب الاستغناء عنهم مستقبلاً. إلا أن تقريراً إحصائياً حديثاً كشف عن مفارقة اقتصادية صادمة، حيث تبين أن العديد من هذه الوظائف الواعدة تقدم رواتب سنوية أساسية تقل عن عتبة الـ 50 ألف دولار بعد التخرج مباشرة.
ووفقاً لتقرير جديد صادر عن «بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك»، والذي استند في تحليلاته إلى بيانات التعداد السكاني الشامل في الولايات المتحدة لعام 2024، فإن بعض التخصصات الجامعية التي يروج لها على نطاق واسع على أنها آمنة تماماً وبعيدة عن خطر الأتمتة وثورة الذكاء الاصطناعي، مثل الصيدلة، وعلم الأحياء، والتعليم، تمنح حديثي التخرج من «الجيل Z» أجوراً تُعد من بين الأدنى على الإطلاق في السوق.
وأظهرت البيانات التفصيلية للتقرير أن خريجي تخصص الصيدلة في مرحلة ما بعد التخرج، والذين تتراوح أعمارهم بين 22 و27 عاماً، يتقاضون عائداً مالياً يبلغ 40 ألف دولار فقط سنوياً، وهو ما يمثل أدنى متوسط دخل مالي مسجل بين جميع التخصصات الجامعية المشمولة في هذه الدراسة. ولم يقتصر تدني الأجور على الصيدلة فحسب، بل شملت القائمة تخصصات أخرى ذات مردود مالي ضعيف للجيل نفسه، ومن أبرزها: تخصصات اللاهوت والدين بمتوسط أجر يبلغ 41,600 دولار، والخدمات الاجتماعية بـ 43,000 دولار، والفنون المسرحية بـ 44,000 دولار، والعلوم الإنسانية (الفنون الليبرالية) بـ 45,000 دولار.
وأشار التقرير بوضوح إلى أن تخصص علم الأحياء، الذي يُعد مساراً علمياً رئيسياً ضمن تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، والذي كان يُنظر إليه كدرع واقٍ وملاذ آمن من اضطرابات الذكاء الاصطناعي المتزايدة، لم يتجاوز متوسط دخل خريجيه 45,000 دولار سنوياً في أفضل الأحوال.
وانسحب هذا الواقع المالي المحبط على قطاع التعليم بشكل عام؛ فبالرغم من الترويج المستمر لمدى الأمان الوظيفي العالي الذي يتمتع به العاملون في هذا القطاع الحيوي، إلا أنه سجل بعضاً من أسوأ التخصصات من حيث الأجر المادي، حيث استقر متوسط رواتب خريجي تخصصي التعليم العام والتعليم الابتدائي عند مستوى 45,000 دولار أيضاً، ليقبع ضمن المراكز الدنيا في سلم الرواتب المبكرة.
وخلص التقرير إلى أن هذه البيانات تسلط الضوء بشكل جلي وقاطع على الفجوة الكبيرة والانفصال الواضح بين «الأمان الوظيفي» المتصور في بعض الصناعات الحيوية والمهمة، مثل الرعاية الصحية والتعليم، وبين حقيقة الأجور المنخفضة والمتواضعة التي تُعرض فعلياً على الخريجين الجامعيين الجدد الذين اختاروا التخصص في تلك المجالات.

