فاضل العماني
بل تكذب وتخدع وتُراوغ، وتتسبب في تشكيل الأفكار الزائفة وتلميع الآراء الفاسدة وتصدير القناعات المشبوهة. ثم من قال بأن كل ذلك الركام الهائل من المقولات والمرويات والحكايات التي تغص بها الأحاديث والكتب والتراث باعتبارها حقائق ثابتة وقناعات راسخة، بل ومعتقدات مقدسة لا يمكن مناقشتها أو عدم الاقتناع بها، فضلاً عن التأمل فيها.
من قال بأن كل تلك الأمثلة والحكم والمسلمات التي غصت بها القصائد والمواعظ والمروايات، يجب أن نتعامل معها كما لو كانت هي الحقيقة الكاملة أو الصواب المطلق أو الإجابة الوحيدة؟. من قال ذلك؟
نعم، للأرقام والإحصائيات والبيانات قيمة كبرى كونها صدى للأبحاث والتجارب والدراسات، الأمر الذي جعلها تتصدر المؤشرات والمعايير والقياسات، ولكنها رغم صدقها وحياديتها ودقتها إلا أنها تسقط في كثير من الأحيان في فخاخ التفسيرات ومخاتلة التوجيهات وانتقائية القناعات.
وحتى تقترب الصورة أكثر في كادر الحقيقة التي يخاف البعض التقاطها بشكل واضح وبزاوية مناسبة، أضع أمام عينيك عزيزي القارئ هذه الأمثلة المتنوعة والمختلفة التي قد تفشل فيها وبامتياز هذه الحقيقة الزائفة التي يتداولها ويؤمن بها البشر، كل البشر:
ففي المجال الرياضي مثلاً، كيف لنا أن نُميز ونُفاضل بين نجمين شهيرين في كرة القدم كالأرجنتيني ليو ميسي والبرتغالي كريستيانو رونالدو ومن هو الأفضل أو الأكثر قيمة في هذه اللعبة الشعبية العالمية؟.
ولماذا لم تحسم الأرقام تلك المعركة الكبرى بين النجمين. والكلام كذلك في رياضتنا السعودية، فهل نجحت الأرقام والاحصائيات لإقناع طرفي الخلاف حول أحقية نجم النصر ماجد عبدالله أو نجم الهلال سامي الجابر بأن يكون أحدهما هو أسطورة كرة القدم السعودية؟.
وفي مجال الشعر أيضاً، يظهر سراب الأرقام التي يُقال بانها لا تكذب، فكلنا نحفظ عن ظهر قلب هذا البيت الشعري الخالد:
إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ للشاعر التونسي الشهير أبو القاسم بن محمد الشَّابِّي الملقَّب بشاعر الخضراء ( 1909- 1934 )، صاحب الديوان اليتيم “أغاني الحياة” والذي لم يُنشر إلا بعد وفاته، ولكنه ومنذ أكثر من تسعة عقود في صدارة الشعراء العرب الذين تُردد وتُدرس قصائده خاصة قصيدة “إرادة الحياة” التي تُعدّ الأشهر في ديوان العرب الحديث.
ديوان واحد فقط لشاعر شاب رحل في مقتبل العمر إذ لم يتجاوز الـ25 من عمرها حين وافتها المنية بسبب قلبه الضعيف، بينما في المقابل تجد من الشعراء العرب الذين عمروا طويلاً ونشروا الكثير من الدواوين الشعرية التي لم يُلتفت لها أو تحظى بالمكانة أو الشهرة، ليقفز هذا التساؤل من جديد: هل الأرقام أو عدد الكتب أو عدد الطبعات هي من تُحدد قيمة ما يُنتج أم تفاصيل أخرى؟.
وفي عالم السينما، تظهر هذه الإشكالية أيضاً، ففيلم “المومياء” الذي أنتج عام 1969 للمخرج المصري الشهير شادي عبدالسلام والذي جاء ترتيبه ثالثاً في قائمة “أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية”، يؤكد بما لا يدعو للشك بأن عدد الأفلام ليس بالضرورة ترمومتراً دقيقاً لجماليات وكمالات الفن السابع، فهو الفيلم الروائي الطويل الوحيد للمخرج شادي عبدالسلام يتجاوز بقيمته ورمزيته وريادته الكثير الكثير من المخرجين المصريين الرواد والمعاصرين الذين صنعوا العشرات من الأفلام التي لم تسكن الذاكرة السينمائية كما هو حال المومياء الفيلم الوحيد الذي خلّد صاحبه.

