لم يكن عالم الغلاف الجوي بيري سامسون يتوقع أن تتحول رحلته الأكاديمية الروتينية إلى اختبار قاسٍ لقوانين الفيزياء على أرض الواقع.
في عام 2008، وبينما كان يقود فريقًا طلابيًا لإجراء قياسات ميدانية في مدينة أوبرلين بولاية كانساس، تشكل إعصار قمعي مدمر فجأةً، ليبتلع سيارته ويضعه وجهًا لوجه مع أسرع رياح على كوكب الأرض، في تجربة علمية غير مسبوقة من داخل «عين الوحش».
تشريح العاصفة الفائقة
تبدأ القصة العلمية لهذه الكارثة من ظاهرة الأرصاد الجوية المعروفة باسم العواصف الرعدية الفائقة، وهي أنظمة جوية معقدة تتميز بتيار صاعد دوار ومستمر.
تتحول هذه العواصف إلى أعاصير مدمرة عندما تتغذى على كتل هواء دافئة ورطبة قريبة من سطح الأرض، غير أن هذا التحول يُعد نادرًا نسبيًا، إذ تشير بيانات المختبر الوطني للعواصف الشديدة إلى أن 20% فقط من هذه العواصف الفائقة تتطور فعليًا إلى أعاصير قمعية متكاملة تلامس الأرض.
مصعد الضغط الجوي المرعب
ومع اقتراب الإعصار، نجح الطلاب في الفرار شرقًا، بينما وجد سامسون نفسه محاصرًا في قلب النواة، حيث تنعدم الرؤية تمامًا بسبب كثافة الحطام المتطاير.
في هذه اللحظة الحرجة، رصدت التجربة الحية تغيرات فيزيائية عنيفة، إذ انخفض الضغط الجوي وارتفع بشكل مفاجئ وكارثي، وهو ما يعادل الشعور بالسقوط والصعود داخل مصعد يعبر 20 طابقًا في 10 ثوانٍ فقط، وسط رياح عاتية تقارب سرعتها 322 كيلومترًا في الساعة.
ديناميكا الهواء أداة للنجاة
وأمام استحالة فتح أبواب السيارة للاحتماء بالخنادق الأرضية المنخفضة بسبب قوة الضغط الهائلة، لجأ سامسون إلى علمه للنجاة.
وبناءً على فهمه الدقيق لاتجاهات الرياح داخل الدوامة، قام بتوجيه مقدمة سيارته مباشرة نحو مسار الريح، مستغلًا التصميم الإيروديناميكي (الديناميكا الهوائية) للمركبة لتشتيت قوة العاصفة وتقليل مساحة الاحتكاك المباشر، وهو قرار علمي حاسم حال دون تدمير السيارة بالكامل أو انقلابها.
إرث علمي من عين العاصفة
استمرت هذه المواجهة الفيزيائية الشرسة لأقل من دقيقة، لكنها تركت بصماتها العميقة على هيكل المركبة الذي رُفع سقفه قليلًا، بينما انغرزت قشات القمح بقوة هائلة في كل شق معدني وزجاجي.
ورغم قسوة التجربة واستحالة التقاط صور من الداخل بسبب الظلام الدامس، تحولت هذه الدقائق المرعبة إلى مادة علمية حية يشاركها سامسون دائمًا مع طلابه في محاضرات «الطقس المتطرف وتغير المناخ»، ليثبت أن فهم القوانين الفيزيائية للطبيعة قد يكون الفاصل الوحيد بين الحياة والموت.

