أحمد الفهيد
(1)
في كل مرة يفوز فيها الهلال، تبدأ مباراة أخرى خارج الملعب .. مباراة بلا كرة، ولا صافرة، ولا تسعين دقيقة، ولا نتيجة، ولا منصة تتويج.. إنها مباراة «التشكيك في الفائز، في البطل».
يخسرون النقاط في الميدان، ثم يحاولون استعادتها بالكلام، هي ضريبة الصعود المتكرر إلى منصات التتويج.. لذلك تتحول الكؤوس إلى موضع ريبة، ويتحول التفوق إلى مادةٍ للتأويل، ويبدأ البحث المحموم عن تفسير يخفف وطأة حقيقة أن هناك فريقًا يربح أكثر من الآخرين .. عند هذه النقطة يدخل الحكم إلى القصة، ليس بوصفه رجلًا يحمل صافرة، وإنما بوصفه المخرج السري لكل هزيمة يصعب الاعتراف بها.
(2)
الأسطوانة قديمة، قديمة جدًا، تتبدل الأصوات، لكن الجملة هي نفسها في كل مرة: «الهلال يفوز، لأن الحكم يساعده».
قالوها حين كان الحكم محليًا، وقالوها حين أصبح أجنبيًا، حتى تقنية الـ VAR قالوا عنها أنها هلالية الهوية والهوى، وسيستمرون في قول ذلك طالما أن الأرزق يفوز، ويزيد رصيده من البطولات. والمشكلة لم تكن أبدًا في الحكم .. المشكلة دائمًا كانت في العجز عن تفسير التفوق.
(3)
الحديث عن التحكيم يملك جاذبية خاصة في عالم المشجعين، إنه العذر الأكثر سهولة، والأسرع انتشارًا، والأقل كلفة نفسية.. الاعتراف بقوة المنافس يحتاج قدرًا من الشجاعة، أما اتهام الحكم فيحتاج جملة قصيرة، وغضبًا عابرًا.
(4)
المدربون دخلوا هذه اللعبة أيضًا، في المؤتمرات الصحافية «يثرثر» بعضهم عن انحياز تحكيمي مزعوم، وكأن المباراة حُسمت قبل أن تبدأ، مع أن كثيرًا منهم استفادوا من أخطاء تحكيمية واضحة في مباريات عدة، وهي أخطاء يعرفها الجميع، ويتجاوزها الزمن، لأن كرة القدم لم تكن يومًا لعبة خالية من الخطأ. الأخطاء جزء من اللعبة، لكن الأعذار ليست جزءًا من البطولات.
جمهور غاضب، وإعلام يبحث عن قصة سهلة، هذا كل ما احتاجه هؤلاء المدربين ليبثوا أعذارهم الواهية على طاولة الكلام، يعلمون تمامًا أن اتهام الحكم «قارب النجاة الوحيد» بعد كل هزيمة أليمة.
(5)
بعض رؤساء الأندية، ومدربيها، اكتشفوا في هذه الأسطوانة فائدة أخرى: تشتيت تركيز الجماهير، فبدل أن يسأل المشجعون عن سوء الإدارة، أو رداءة اختيارات اللاعبين، أو أخطاء المدربين، يُفتح باب واسع اسمه: «التحكيم»!.. وهكذا تتحول الهزيمة إلى مؤامرة، ويتحول الغضب إلى خصم خارجي.
(6)
والغريب أن الهلال هو النادي الوحيد الذي ظل لسنوات يستعين بحكام أجانب، ويدفع مبالغ طائلة لجلبهم عبر اتحاد اللعبة.. ليس لأنه يخشى المنافسة، وإنما لأنه يعرف طبيعة الضغط الإعلامي والجماهيري على الحكم المحلي.
الحكم السعودي يعيش داخل البيئة نفسها التي تعيش فيها الأندية وجماهيرها، بيئة تعرف كيف تُربك الحكم المحلي، وتُحاصر قراراته.
(7)
ومع ذلك لم يكن الهلال يومًا محصنًا من أخطاء التحكيم، لا الأجنبية ولا المحلية، تعرض لقرارات مؤثرة، وخسر مباريات كثيرة وكبيرة، وأصدر عدة بيانات رسمية يحتج فيها على قرارات تحكيمية «قاتلة»، لأن الحقيقة البسيطة في كرة القدم هي أن التحكيم يخطئ مع الجميع، غير أن الفرق بين البطل وغيره، هو أن البطل يتجاوز الخطأ ويواصل طريقه.
(8)
الهلال يلعب المباراة حيث يجب أن تُلعب: في الملعب.. وخصومه يلعبون مباراة أخرى في تصريحات ما بعد المباراة، وفي البيانات والتغريدات، لكن كرة القدم – مثل التاريخ – لا تحتفظ بالضجيج طويلًا.
الهلال لا يحتاج إلى الدفاع عن تاريخه، الأرقام تقوم بالمهمة .. والبطولات لا تُحسم في المؤتمرات الصحافية، ولا في النقاشات التلفزيونية، ولا في مواقع التواصل الاجتماعي، إنها تُحسم في التسعين دقيقة.
ولهذا يتكرر المشهد نفسه كل موسم الهلال يرفع الكأس .. وخصومه يرفعون أصواتهم (صراخًا، نحيبًا، وعويلًا طويل الأجل والدجل). الهلال يحتفل بالبطولة، وهم يحتفلون بمبررات جديدة لهزيمتهم.
(9)
ديل كارنيجي، الخبير في العلاقات الإنسانية، كتب مرة، عبارة قصيرة، تصلح أن تكون مرآة لهذا المشهد كله: «الإنسان نادرًا ما يلوم نفسه، حتى عندما يكون مخطئًا تمامًا».
هذه ليست ملاحظة اجتماعية عابرة، إنها قاعدة تعمل بكفاءة في كرة القدم، الهزيمة ثقيلة على النفس البشرية، لذلك تبحث عن منفذ يخفف صدمتها، عن تبرير يبدد خيبتها، والاتهام يمنح الخاسر شعورًا مؤقتًا بالعدالة، ويمنحه ظنًا آثمًا بقدرته على سلب المنتصر جزءًا من فخره، وكأن الاعتراف بتفوق الخصم تنازل مؤلم عن الكرامة، وكأن الحقيقة في بعض اللحظات عبء لا يُحتمل.
(10)
الفوز المتكرر يصنع مناخًا من الشك.. الهزيمة المتكررة تصنع مناخًا من التبرير، وبينهما تتحول كرة القدم أحيانًا إلى مسابقة في اختراع الأعذار، غير أن الحقيقة في نهاية كل هذا الصخب، شديدة الهدوء: الأعذار لا تصنع بطولة، الضجيج لا يضيف كأسًا، والاحتجاج لا يغيّر نتيجة مباراة انتهت.
(11)
شرحها المدرب البزتغالي جوزيه مورينهو، في كلمات معدودات: «حين تفوز، يتحدثون عن الحكم .. وحين تخسر يتحدثون عنك». هذه هي اللعبة خارج الملعب، أما داخل الملعب فالقصة أقصر بكثير.
الزمن لا يحتفظ بالتفاصيل الصغيرة، لا يتذكر المؤتمرات الصحافية، ولا الجدل الممتد، ولا العناوين الغاضبة، يمرّ على كل ذلك ويتركه خلفه، ثم يكتب سطرًا واحدًا فقط، فيه اسم البطولة واسم البطل، لأن «التاريخ لا يتذكر إلا الفائزين»، أما البقية فتتلاشى أصواتهم في الهواء، مثل احتجاج متأخر بعد صافرة النهاية.
(12)
يمكنك أن تقلل من فوز البطل، يمكنك أن تشكك في بطولاته، يمكنك أن ترفع صوتك أشد من صوت أهازيج جماهيره فرحًا وحتفالًا، غير أن شيئًا واحدًا لا تستطيع تغييره: النتيجة التي كتبها التاريخ! أما الأعذار فمصيرها معروف .. تعيش موسمًا واحدًا، ثم تموت في الهامش.
(13)
هذا رقم التشاؤم، وعلامة الفأل السيئ عند القاطنين في غرب الكرة الأرضية .. لذلك لن أكتب فيه شيئًا يخص الهلال، الذي جعل مشجعيه يعيشون طوال التاريخ حياة من الفرح والسعادة والتفاؤل والفخر.
.. إلى فرحة جديدة يا «هلال العز» .. فرحة تعلو فوق الشكائين، الشكاكين، المشككين، أبطال القصص الوهمية، وأسياد التبريرات المخجلة.

