تواصل إسرائيل تصعيد عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، في نهج لا يقتصر على الضربات المباشرة، بل يتجاوزها إلى تبنّي سياسة تدمير واسعة ومنهجية للبنى التحتية، خصوصًا في القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».
وتشير المعطيات إلى استهداف منظّم للمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات، إلى جانب تدمير الجسور وقطع الطرق الحيوية، بما يؤدي إلى تفكيك الترابط الجغرافي بين البلدات وعزلها عن بعضها البعض.
ويأتي هذا السلوك، بحسب مصادر وزارية لبنانية، امتدادًا لسياسة تهجير غير مباشر، حيث يترافق مع تحذيرات متكررة لأهالي الجنوب من العودة إلى أكثر من 80 بلدة، في إطار هدف يُفهم منه السعي إلى إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.
وتواكب ذلك غارات على مناطق غير خاضعة للاحتلال، من بينها وادي الحجير الذي تعرّض لقصف جوي، الثلاثاء.
ولا تقتصر عمليات التفجير والهدم باستخدام الجرافات على المنازل فحسب، بل تمتد لتشمل المؤسسات الصحية والتعليمية، التي تُعد من أبرز الأهداف في هذا السياق، ضمن سياسة ضغط موجهة ضد البيئة الحاضنة لـ«حزب الله»، إذ تعتبر إسرائيل أن أي بنية مدنية في تلك المناطق قد تشكل دعمًا غير مباشر للحزب، أو توفر بيئة محتملة لإعادة تفعيل نشاطه.
فيما يتعلق بالقطاع الصحي، ومع الساعات الأولى لتجدد العمليات العسكرية في الثاني من آذار الماضي، ومع تصاعد موجات النزوح، استهدف الجيش الإسرائيلي المستشفيات والمراكز الطبية في الجنوب.
وكشف رئيس لجنة الصحة النيابية النائب بلال عبد الله أن الحرب «أحدثت تدميرًا واسعًا في القطاع الصحي والجهاز الطبي داخل القرى الجنوبية»، موضحًا أن المؤشرات تفيد بخروج 8 مستشفيات عن الخدمة بشكل كلي أو شبه كلي، وهي مستشفيات تبنين، راغب حرب، صلاح غندور، حيرام، جبل عامل، حاصبيا، وبنت جبيل.
وأشار إلى أن الخسائر لم تقتصر على الأبنية، بل طالت الكوادر الطبية بشكل مباشر، إذ تم تدمير أكثر من 100 سيارة إسعاف، واستشهاد 121 طبيبًا ومسعفًا يعملون في المستشفيات والمراكز الصحية. وأضاف أن وزارة الصحة اضطرت إلى إعادة توزيع الكوادر الطبية على مستشفيات أخرى في الجنوب ومناطق جبل لبنان لتعويض النقص الحاد.
أما قطاع التعليم، فيبدو أنه يتعرض بدوره لضربات تهدف إلى إفراغ القرى من سكانها على المدى البعيد، حيث يرى مصدر في وزارة التربية اللبنانية أن استهداف المدارس والمعاهد «يرمي إلى تقويض قدرة الأهالي على البقاء في بلداتهم». ووفق هذا المصدر، فإن تدمير المؤسسات التعليمية يدفع العائلات إلى النزوح بحثًا عن بدائل تعليمية لأبنائهم، ما يسرّع من تفريغ المناطق السكنية.
وقد أسفرت الاعتداءات عن تدمير كلي لعدد من المدارس الرسمية في بلدات الظهيرة، البستان، يارين، طيرحرفا، إضافة إلى تدمير جزئي للمتوسطة في الناقورة. كما طالت الأضرار التعليم المهني والتقني، حيث دُمّر معهدا الخيام والقنطرة بالكامل، فيما لحقت أضرار متفاوتة بمعاهد بنت جبيل، عيتا الشعب، تبنين، تول، النبطية، الزرارية، جباع، معركة، العباسية، جويا، قانا، وأنصار. وتشير التقديرات إلى أن بعض هذه المنشآت أصبح غير قابل للترميم، ما يستدعي تقييمًا هندسيًا شاملًا بعد توقف العمليات.
وفي إحصاءات وزارة التربية والتعليم العالي، نالت مدينة النبطية وقضاؤها النصيب الأكبر من الأضرار، حيث تم تسجيل مدرسة واحدة مدمرة كليًا، و18 مدرسة متضررة بشكل كبير، مقابل 7 مدارس لم تتعرض لأضرار، بينما لا تزال بيانات 61 مدرسة أخرى غير مكتملة حتى الآن.
وعلى صعيد البنى التحتية، تعرض قطاعا الكهرباء والمياه لأضرار واسعة النطاق، إذ أفاد مصدر في وزارة الطاقة والمياه بأن حجم الخسائر لا يزال غير قابل للحصر بدقة، لكنه يشمل محولات كهربائية ومحطات مياه متعددة.
وأوضح أن الضرر الأكبر وقع على شبكات المياه، حيث تجاوزت خسائر القطاع في حرب 2024 حاجز 100 مليون دولار، بينما تفوق الخسائر الحالية هذا الرقم نتيجة تدمير محطات الضخ والتنقية والخزانات وشبكات الإمداد.
وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل تمضي في سياسة تحويل عدد كبير من القرى الجنوبية إلى مناطق شبه مدمرة، بما يخلق واقعًا ميدانيًا ضاغطًا يهدف إلى فرض شروط سياسية وأمنية، عبر رفع كلفة الدمار إلى مستوى يدفع الدولة اللبنانية نحو خيارات تفاوضية أكثر صعوبة تحت وطأة الخسائر المتزايدة.

