تجاوزت منصات التواصل الاجتماعي دورها التقليدي كمساحات للتفاعل الرقمي، وتحولت فعليًا إلى ساحات صيد مفتوحة تكبد المستخدمين خسائر فادحة؛ ففي أحدث تقرير صادر عن لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية، تكشفت أرقام صادمة تشير إلى خسارة المستهلكين ما يصل إلى 2.1 مليار دولار أمريكي بسبب عمليات الاحتيال عبر هذه المنصات خلال عام 2025.
تؤكد هذه الإحصائيات زيادة الخسائر بمقدار ثمانية أضعاف، لتتجاوز شبكات التواصل بذلك أي وسيلة أخرى استخدمها المحتالون للإيقاع بضحاياهم، تاركةً وراءها تساؤلات عميقة حول جدوى سياسات الحماية الرقمية الحالية.
منصات «ميتا» في صدارة ساحات الاحتيال
في تفاصيل هذا المشهد المعقد، أفاد ما يقرب من 30% من الضحايا بأن شرارة الاحتيال الأولى انطلقت من منصات التواصل الاجتماعي.
وتبرز منصة «فيسبوك» كبيئة خصبة ومصدر أول لهذه العمليات، متفوقةً بفارق شاسع على منصتي «واتساب» و«إنستغرام» اللتين حلتا في المركزين الثاني والثالث تباعًا.
ومما يثير القلق بشكل أكبر، أن حجم الأموال المنهوبة عبر «فيسبوك» وحده يفوق بكثير إجمالي الخسائر المسجلة عبر رسائل البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية التقليدية، مما يؤكد تغيير المحتالين لتكتيكاتهم جذريًا للتركيز على مساحات التفاعل اليومي للمستخدمين.
واجهات وهمية واستثمارات سرابية
ومن جهة أخرى، تتخذ شباك الخداع الرقمي أشكالًا متعددة، يأتي على رأسها فخ التسوق الوهمي الذي تصدر قائمة البلاغات في العام الماضي.
إذ أوضح أكثر من 49% من المتضررين أنهم خُدعوا بإعلانات جذابة لمنتجات تتنوع ما بين الملابس ومستحضرات التجميل، وصولًا إلى قطع غيار السيارات وحتى الحيوانات الأليفة.
حيث تقود هذه الإعلانات المضللة المستخدمين نحو مواقع إلكترونية مجهولة، أو تستنسخ واجهات لعلامات تجارية شهيرة للإيهام بوجود تخفيضات كبرى لا أساس لها من الصحة.
وعلاوة على ذلك، يبرز الاحتيال الاستثماري كأحد أكثر الفخاخ تدميرًا من الناحية المالية، حيث تسبب وحده في خسائر بلغت 1.1 مليار دولار.
ويعتمد هذا الأسلوب على اصطياد الضحايا عبر إعلانات أو منشورات تعد بتعليم أسرار الثراء والاستثمار السريع.
وفي هذا السياق، يتقمص المحتالون دور المستشارين الماليين الودودين، أو يعمدون إلى إنشاء مجموعات مغلقة على تطبيق «واتساب» تعج بشهادات نجاح وهمية وتوصيات زائفة، لإقناع الضحية بضخ أمواله في منصات تداول وهمية لا وجود لها.
اختراق العواطف والهندسة الاجتماعية
وإلى جانب الطمع المالي، يستغل المحتالون نقاط الضعف العاطفية ببراعة شديدة. فقد أظهر التقرير أن قرابة 60% من ضحايا الاحتيال العاطفي أقروا بأن بدايات التعارف كانت عبر منصات التواصل.
وهنا، يعمد المجرمون إلى هندسة شخصياتهم الرقمية لتتطابق تمامًا مع اهتمامات الضحية، ليبدؤوا لاحقًا في اختلاق أزمات مفاجئة تستدعي تحويلات مالية عاجلة، أو يستغلون الثقة العاطفية المكتسبة لاستدراج الطرف الآخر نحو منصات استثمارية مزيفة، في دمج خبيث بين الابتزاز العاطفي والاحتيال المالي.
جدار الحماية الأخير
وأمام هذا التطور المخيف في أساليب الهندسة الاجتماعية، تضع لجنة التجارة الفيدرالية مسؤولية الحماية الأولى على عاتق المستخدم ذاته. حيث توصي بضرورة تقييد إعدادات الخصوصية لمنع الغرباء من رؤية المنشورات أو قوائم الأصدقاء.
وتحذر اللجنة بشدة من الانسياق وراء أي نصائح استثمارية يقدمها أشخاص عبر الفضاء الافتراضي.
كما تُشدد على أهمية التدقيق الصارم قبل أي عملية شراء، وذلك عبر البحث المزدوج عن اسم الشركة مقرونًا بكلمات مثل «احتيال» أو «شكوى»، لضمان عدم الوقوع في شراك هذا الاقتصاد الخفي الذي يقتات على ثقة المستخدمين وحسن نواياهم.

