لم يكن في وارد حركة «حماس» أو أي من القوى الفلسطينية أن تتصور أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، ستفرز لاحقًا تشكيلات مسلحة جديدة داخل القطاع، قادرة على التحول إلى مصدر تهديد أمني متصاعد، لا للفصائل وحدها، بل وللنسيج الاجتماعي في غزة عمومًا.
وبرزت هذه التشكيلات تحت مسمى «العصابات المسلحة»، التي اتخذت لنفسها أسماء متعددة مثل «الجيش الشعبي» و«قوات مكافحة الإرهاب» وغيرها، في إطار توسع نفوذها الميداني ومحاولاتها فرض حضورها على الأرض، في مقابل مساعٍ حثيثة من حركة «حماس» والفصائل الأخرى لاحتوائها ومواجهتها.
ظهرت أولى ملامح هذه الظاهرة خلال الفترة الممتدة بين يونيو ويوليو 2024، حين سُجلت حوادث متكررة لسرقة المساعدات الإنسانية في مناطق شرق خان يونس ورفح، قرب معبر كرم أبو سالم، نفذها مجهولون في البداية.
ومع تكرار تلك العمليات، بدأ اسم ياسر أبو شباب يطفو على السطح بوصفه قائدًا لمجموعة مسلحة ضالعة في تلك الأنشطة، قبل أن تتسع دائرة نفوذه تدريجيًا مع انضمام عشرات العناصر إليه.
وسرعان ما تحولت المجموعة إلى كيان مسلح أكثر وضوحًا، خصوصًا مع تداول مقاطع مصورة تُظهر عناصرها وهم يحملون السلاح في مناطق لا تبعد سوى مئات الأمتار عن القوات الإسرائيلية المنتشرة شرق خان يونس ورفح، بالتزامن مع العمليات البرية الإسرائيلية في تلك الفترة.
ومع تفاقم أزمة المساعدات الإنسانية واستمرار عمليات نهبها وبيعها في السوق السوداء، شنت حركة «حماس» في 19 نوفمبر 2024 هجومًا أمنيًا على مواقع المجموعة، أسفر عن سقوط وإصابة نحو 20 عنصرًا، فيما قُتل شقيق أبو شباب في عملية استهدفت مركبة يُعتقد أنه كان يستقلها.
تحول في المسار ودعم ميداني
شكّل ذلك الحدث نقطة تحول في مسار ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلًا سابقًا لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يُفرج عنه مع بداية الحرب، وبعد الهجوم، فرّ إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، ليبدأ مرحلة جديدة من نشاطه المسلح.
حصلت المجموعة لاحقًا على أسلحة يُعتقد أن الجيش الإسرائيلي زودها بها، ما ساهم في توسعها عدديًا ليصل قوامها إلى نحو مئة عنصر في مرحلة ما، مع قيامها بمهام مرتبطة بتنظيم مرور المساعدات وتأمين بعض الطرق.
وخلال هذه المرحلة، ظهرت المجموعة بزي عسكري يحمل العلم الفلسطيني، وقدمت نفسها كجهة منظمة تدير حركة الشاحنات والوفود الإنسانية، في حين استمرت الاتهامات من قبل «حماس» بارتباطها بأجندات معادية وضلوعها في الفلتان الأمني.
وتزايدت حدة المواجهة بين «حماس» وأبو شباب، حيث اتهمته الحركة بالتعاون مع إسرائيل والعمل تحت حمايتها، بينما نفى الأخير بشكل غير مباشر تلك الاتهامات، مؤكدًا في منشوراته معاداته للحركة واعتبارها مسؤولة عن تدهور الأوضاع في القطاع.
وفي المقابل، استمرت عمليات الاستهداف المتبادل، حيث شاركت المجموعة في مهام أمنية ميدانية داخل مناطق شهدت وجودًا عسكريًا إسرائيليًا، بما في ذلك إزالة عبوات ناسفة وكشف أنفاق، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفها.
تفكك البنية وظهور عصابات جديدة
في ديسمبر 2025، قُتل ياسر أبو شباب في حادثة داخلية مرتبطة بخلاف عائلي، ما أدى إلى صعود نائبه غسان الدهيني لقيادة المجموعة.
وبالتوازي، بدأت تظهر تشكيلات مسلحة أخرى في مناطق متفرقة من قطاع غزة، منها مجموعات يقودها حسام الأسطل في خان يونس، ورامي حلس في مدينة غزة، وشوقي أبو نصيرة في الوسطى، وأشرف المنسي في شمال القطاع.
وقد نجحت بعض هذه المجموعات في تنفيذ عمليات أمنية نوعية، شملت اغتيالات واستهداف عناصر من أجهزة «حماس»، ما دفع الحركة إلى تصعيد عملياتها الأمنية ضدها.
تشير المعطيات الميدانية إلى وجود حالة من التداخل والتنافس بين هذه العصابات، في ظل اتهامات متبادلة ومحاولات لإثبات الولاء أو الاستفادة من واقع السيطرة الإسرائيلية الجزئية على بعض مناطق القطاع.
وفي المقابل، تواصل «حماس» عملياتها الأمنية لملاحقة هذه التشكيلات، مستندة إلى كمائن واعتقالات ومداهمات، في حين تؤكد مصادرها أن معظم الأسلحة المستخدمة مصدرها مخلفات العمليات الإسرائيلية أو دعم مباشر عبر أطراف وسيطة.
وتعتمد هذه العصابات في تجنيد عناصرها على استغلال الظروف المعيشية الصعبة في القطاع، من خلال تقديم حوافز مالية أو مادية، في وقت يعاني فيه كثير من الشباب من البطالة والضغوط الاقتصادية.
ورغم ذلك، تشير مصادر محلية إلى أن بعض المجندين عادوا لاحقًا إلى عائلاتهم بعد وساطات عشائرية ومجتمعية، ضمن محاولات لاحتواء الظاهرة.
في ظل هذا المشهد المعقد، حاولت بعض هذه التشكيلات تقديم نفسها كبديل محتمل لحكم «حماس»، مستفيدة من الفوضى الأمنية وتراجع مؤسسات السلطة داخل القطاع.
إلا أن هذا الطرح لا يزال محل رفض واسع داخل المجتمع الفلسطيني، في حين تؤكد مصادر متعددة أن هذه الجماعات تفتقر إلى البنية السياسية والتنظيمية القادرة على تشكيل بديل حقيقي، ما يجعلها جزءًا من مشهد أمني مضطرب أكثر من كونها مشروع حكم متكامل.

