لم تعد شركات التكنولوجيا تُقدَّم اليوم باعتبارها مجرد أدوات للابتكار وتحسين حياة الأفراد، بل باتت في قلب نقاش واسع حول النفوذ والسلطة، حيث طرح الصحافي الأمريكي تيموثي نواه، رؤية نقدية تفكك الصورة المثالية التي رافقت نشأة هذا القطاع، كاشفًا كيف تحوّلت هذه الشركات من مشروع تحرري واعد إلى قوى اقتصادية وسياسية كبرى تسعى لترسيخ نفوذها، حتى وإن كان ذلك على حساب قواعد السوق والديمقراطية.
من الابتكار للاحتكار
كتب الصحافي الأمريكي تيموثي نواه مقالًا تحليليًا في موقع The New Republic، ينتقد فيه الرواية التقليدية التي قدّمت شركات التكنولوجيا بوصفها أدوات لتحرير الأفراد وتعزيز الديمقراطية، معتبرًا أن هذا التصور لم يعد يعكس الواقع. ويرى أن هذه الشركات تحولت تدريجيًا من قوى ابتكارية واعدة لمنظومة احتكارية تسعى إلى تعظيم النفوذ والربح، حتى باتت تنازع الدولة سلطتها وتتعامل مع القيود التنظيمية باعتبارها تهديدًا لمصالحها، لا ضرورة لحماية المجتمع.
الذكاء الاصطناعي وإنقاذ البشرية
ويشير نواه إلى أن هذا التحول لم يكن اقتصاديًا فقط، بل رافقه خطاب أيديولوجي متصاعد، يصل في بعض الأحيان إلى طابع خلاصي يقدّم الذكاء الاصطناعي كمنقذ للبشرية. ويستشهد في هذا السياق بتصريحات رجل الأعمال بيتر ثيل، الذي صاغ جدل التكنولوجيا بلغة دينية، معتبرًا أن معارضيها أشبه بأعداء التقدم. ويرى أن هذه الرؤية، رغم تطرفها، تعكس توجهاً أوسع داخل وادي السيليكون، حيث يجري تصوير أي محاولة لتنظيم الذكاء الاصطناعي كعائق أمام المستقبل نفسه.
من التحرر للرأسمالية
ويتناول مقال الصحافي الأمريكي تيموثي نواه، جذور الفكرة الأصلية للتكنولوجيا بوصفها أداة تحرر، والتي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين ارتبطت بثقافة مضادة رأت في الحاسوب الشخصي وسيلة لتمكين الأفراد. غير أن هذا الحلم، بحسب نواه، كان يحمل تناقضًا داخليًا منذ البداية، إذ نشأت هذه التكنولوجيا داخل مؤسسات حكومية وعسكرية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى جزء من منطق السوق الرأسمالي، وتخضع تدريجيًا لمصالح الشركات الكبرى.
حماية قانونية للمنصات
ومع صعود عمالقة التكنولوجيا، تزايدت مظاهر الاحتكار في هذا القطاع، وسط ضعف واضح في الرقابة الحكومية، خاصة في الولايات المتحدة. ويشير نواه إلى أن قوانين مثل القسم 230 ساهمت في منح المنصات حماية قانونية واسعة، ما أتاح لها التوسع دون تحمل كامل المسؤولية عن المحتوى المنشور. ونتيجة لذلك، انتشرت ظواهر مثل المعلومات المضللة، واستغلال المستخدمين، وتراجع معايير الرقابة، في ظل سعي الشركات لتحقيق أقصى أرباح ممكنة.
من الخدمة للاستغلال
ويعرض الكاتب نماذج من ممارسات هذه الشركات، مثل التناقض بين الخطاب المعلن حول تمكين المستخدم والواقع الذي يُظهر استغلال بياناته لتحقيق مكاسب تجارية. كما يشير إلى مفهوم التدهور القذر الذي يصف تحول المنصات من خدمة المستخدمين إلى استغلالهم، ثم استغلال الجميع لصالح المعلنين، في مسار يعكس تحوّل التكنولوجيا إلى أداة للهيمنة بدلًا من التحرر.
دور يشبه السُلطة الحاكمة
ويؤكد نواه أن شركات التكنولوجيا لم تعد مجرد فاعل اقتصادي، بل أصبحت تمارس دورًا يشبه السلطة الحاكمة، من خلال تأثيرها على المعلومات والتواصل والاقتصاد. كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع الحكومات عبر عقود ضخمة، خاصة في مجالات مثل الحوسبة السحابية وتحليل البيانات، ما يعزز نفوذها السياسي ويجعلها شريكًا لا يمكن تجاهله في إدارة شؤون الدولة.
غياب قانون يُنظم الذكاء الاصطناعي
ويحذر المقال من أن هذا المسار يتزامن مع غياب إطار قانوني شامل ينظم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية في هذا المجال. ويرى نواه أن تنظيم هذا القطاع لن يكون مجرد مسألة تقنية، بل مواجهة مباشرة مع طبقة من الأثرياء والشركات التي تمتلك نفوذًا متزايدًا، وقد لا تُبدي التزامًا كافيًا بقواعد الديمقراطية.
إنتاج أنماط السيطرة
ويخلص الصحافي الأمريكي تيموثي نواه إلى أن التكنولوجيا، التي بدأت كمشروع لتحرير الإنسان، انتهت إلى إعادة إنتاج أنماط السيطرة ذاتها، ولكن بأدوات أكثر تطورًا. ومع تصاعد نفوذ هذه الشركات، يصبح التحدي الأكبر هو كيفية استعادة التوازن بين الابتكار والمساءلة، بما يضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى قوة تتجاوز الدولة والمجتمع، بدل أن تخدمهما.

