عائشة الفضلي
كاتبة وناقدة في مجال الفن السعودي
يُعد اقتناء الأعمال التشكيلية محركاً أساسياً لعجلة الإبداع، فهو يتجاوز كونه مجرد عملية شراء ليصبح تقديراً فعلياً لتجربة الفنان وحافزاً يضمن استمراريته، فاختيار الزوار للأعمال واقتناءها هو المؤشر الحقيقي على نجاح المعارض وقدرتها على تعزيز المشهد السياحي والثقافي، مما يخلق بيئة تنافسية تدفع بالفنانين نحو تقديم أجود ما لديهم وتطوير أدواتهم الفنية باستمرار.
وفي ظل التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة، برز الفن كعنصر أساسي في مسار التحول ضمن رؤية السعودية 2030. هذه الرؤية لم تعد تقتصر على الأبعاد الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتكون دعوة للاحتفاء بالهوية الوطنية وإبراز أصالة الثقافة السعودية للعالم. ومن هنا تنبع أهمية الفنون بمختلف أشكالها كأداة قوية لتجسيد تاريخ الأرض وربط الأجيال الجديدة بتراثهم عبر قوالب معاصرة، مدعومة بمبادرات طموحة مثل «صندوق التنمية الثقافي» الذي يسعى لتحويل المملكة إلى وجهة ثقافية عالمية تُمكّن الفنانين وتعزز حضورهم الدولي.
ولأن نجاح هذا المشهد يعتمد على العلاقة بين المبدع والمتلقي، فإن فهم سيكولوجية الاقتناء يصبح ضرورة للفنان. فالمقتنون يختلفون في توجهاتهم؛ حيث نجد المقتني المستثمر أو الخبير الذي يبحث عن القيمة بعيدة المدى ويركز على أعمال الرواد والمعاصرين بناءً على آراء النقاد والخبراء، بينما نجد المقتني الاجتماعي الذي يميل لاقتناء الأعمال ذات الصيت العالي كنوع من الوجاهة والتباهي الاجتماعي. وهنا تبرز احترافية الفنان في كيفية بناء جسور الثقة مع هذه الفئات من خلال التعامل الراقي والشفافية المطلقة في تقديم المعلومات حول أعماله.
إن الفنان التشكيلي المعاصر لابد أن يكون واعياً بدوره كرافد للاقتصاد الثقافي المستدام، فمهاراته في تسويق أعماله وتسعيرها بشكل منطقي خلال المعارض يسهم في جذب الجمهور وتعزيز ثقافة الاقتناء، فقيمة العمل الفني لا تنفصل عن قيمة الحضارة التي نشأ فيها، فهو سجل مرتبط بتاريخ الفنان وخبراته.
ختاماً، يظل الاقتناء هو الركيزة التي تحفظ للفن هيبته واستمراريته كإرث عابر للأجيال. فهو ليس مجرد انتقال لملكية لوحة، بل هو استثمار ثقافي واقتصادي يصون الهوية الوطنية ويوثق النهضة الإبداعية، مما يسهم في ترسيخ مكانة المملكة كمركز ثقافي عالمي يجمع بين عراقة الماضي وطموح المستقبل بما يتماشى مع تطلعات رؤية 2030.

