تزامنت تصريحات قيادي بارز في حركة «حماس» بشأن رفض مناقشة ملف «نزع السلاح» في قطاع غزة، مع إفادات لمسؤولين أمنيين إسرائيليين حول تكثيف الضغوط العسكرية على الحركة، ما عمّق المخاوف لدى سكان القطاع من احتمال استئناف واسع النطاق للعمليات العسكرية، بعد أشهر من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر الماضي، والذي شابته عدة خروقات إسرائيلية.
وقال باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» وأحد أعضاء فريق التفاوض، في تصريحات تلفزيونية مساء السبت، إن الحركة ترفض فتح ملف «سلاح المقاومة»، مؤكداً أنه «حق مشروع»، وأن أي نقاش بشأنه «مرفوض قبل التوصل إلى وقف دائم للحرب وترتيبات أمنية متبادلة».
ونقلت صحيفة «معاريف» العبرية عن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، قوله خلال تفقده قواته في لبنان، إن «المعركة المقبلة قد تكون في قطاع غزة، لأنها لم تنتهِ بعد»، محذراً من أنه «في حال واصلت (حماس) عرقلة مسار نزع سلاحها، فإن الجيش سيضطر إلى استئناف الحرب بكامل شدتها».
وتأتي هذه التصريحات بالتوازي مع ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية مساء السبت، بشأن انعقاد المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) يوم الأحد لبحث احتمالات تجدد القتال في غزة، قبل أن يتم لاحقاً تأجيل الجلسة واستبدالها بمنتدى أمني محدود برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ونقل عن مسؤول في حكومته قوله: «(حماس) لا تلتزم باتفاق نزع السلاح، ونحن نجري مشاورات مع الوسطاء».
ألقت هذه التطورات بظلال ثقيلة على سكان قطاع غزة، الذين يعيشون حالة من القلق من عودة الحرب وما قد يصاحبها من موجات نزوح جديدة، خاصة بعد هدوء نسبي شهدته بعض مناطق القطاع خلال الأيام الثلاثة الماضية.
غير أن هذا الهدوء سرعان ما تخللته حوادث قصف إسرائيلية أسفرت عن مقتل ثلاثة فلسطينيين في مناطق متفرقة شمال وجنوب القطاع يوم الأحد، إضافة إلى ثلاثة آخرين حتى ظهر الاثنين في الشمال والوسط.
وقال باسم نعيم إن «حماس» لا تعتزم تسليم سلاحها، محذراً من تكرار ما وصفه بـ«خطأ بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان عام 1982»، في إشارة إلى مجازر صبرا وشاتيلا.
غير أن هذه التصريحات قوبلت بانتقادات واسعة من نشطاء فلسطينيين داخل غزة، الذين اعتبروا أن الواقع الحالي أكثر قسوة، وأن القطاع شهد مجازر أوسع نطاقاً خلال الحرب الأخيرة
. وكتب جميل عبد النبي، القيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» في شمال القطاع، معلقاً: «هل منع هذا السلاح وقوع المجازر؟»، مشيراً إلى أن حصيلة الضحايا في غزة تجاوزت 72 ألف قتيل على الأقل، مقارنة بآلاف في أحداث تاريخية سابقة.
وتداول ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات حادة لتصريحات نعيم، معتبرين أنها قد تمنح إسرائيل مبرراً إضافياً لاستئناف العمليات العسكرية.
من جانبه، قال المواطن الغزي بهاء التلباني (52 عاماً)، النازح من حي النصر في مدينة غزة إلى دير البلح بعد تدمير منزله، إن عودة الحرب تعني «تدمير ما تبقى من القطاع»، مؤكداً أن الأولوية يجب أن تكون لحماية حياة السكان.
وأضاف أن «السلاح لن يمنع استمرار الحرب إذا قررت إسرائيل ذلك»، محذراً من أن أي تصعيد جديد قد يدفع السكان إلى موجات نزوح إضافية داخل مناطق لم تعد تحتمل مزيداً من الضغط الإنساني.
كما أبدى سكان آخرون قلقهم من غياب المعلومات الواضحة حول مسار المفاوضات الجارية في القاهرة، وسط شعور متزايد بعدم اليقين بشأن مستقبل القطاع.
وتشهد المفاوضات في القاهرة حالة من الجمود النسبي، إذ تتمسك «حماس» والفصائل الفلسطينية باستكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، التي تتضمن بنوداً إنسانية ومعيشية، بينما تصر إسرائيل على أن أي تقدم يجب أن يقابله التزام واضح من الحركة بملف نزع السلاح، وهو أحد أبرز بنود المرحلة الثانية.
وفي هذا السياق، يسعى الوسطاء، إلى جانب الممثل الأعلى لشؤون غزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، إلى تقريب وجهات النظر عبر مقترحات تستند إلى «خريطة طريق» طُرحت في 19 أبريل الماضي، مع استمرار تبادل الردود بين الأطراف.
في المقابل، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية، بينها صحيفة «هآرتس»، بوصول ملادينوف إلى إسرائيل يوم الاثنين، في محاولة لدفع مسار التهدئة وتخفيف الإجراءات العسكرية على القطاع.
كما ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بستة ألوية داخل قطاع غزة، يجري تبديلها بشكل مستمر لضمان استمرار السيطرة الميدانية
. ونقلت عن مسؤولين أمنيين قولهم إن الجيش يستعد لرفع وتيرة عملياته في ظل استمرار «حماس» في تعزيز وجودها ورفضها نزع سلاحها.
في ظل استمرار التباين الحاد بين المواقف السياسية والعسكرية، يبقى سكان قطاع غزة في قلب معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات الميدانية مع التعثر الدبلوماسي، وسط مخاوف من أن يؤدي أي فشل في المفاوضات إلى عودة التصعيد العسكري بصورة أوسع، تعيد القطاع إلى دائرة الحرب مجدداً.

