تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط، في وقت حذرت فيه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي من أن التوقعات الأساسية لم تعد صالحة، وأن العالم قد يكون بالفعل دخل مرحلة أكثر خطورة مع تصاعد الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة.
وأكدت كريستالينا غورغيفا أن مؤشرات التضخم بدأت في الارتفاع بالفعل، مشيرة إلى أن استمرار الحرب لفترة أطول، خاصة حتى عام 2027، قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو نتائج “أسوأ بكثير” مما كان متوقعاً في السابق، لا سيما إذا اقتربت أسعار النفط من مستوى 125 دولاراً للبرميل.
وأوضحت أن السيناريو الأساسي الذي افترض صراعاً قصير الأمد وتباطؤاً محدوداً في النمو لم يعد واقعياً، مع تراجع احتمالات تحققه تدريجياً، في ظل استمرار التوترات وتداعياتها على الأسواق العالمية.
تحولات في توقعات النمو والتضخم
وبحسب تقديرات صندوق النقد، كان السيناريو الأساسي يشير إلى نمو عالمي عند 3.1% مع تضخم يبلغ 4.4%، إلا أن هذه الأرقام باتت مهددة مع انتقال الاقتصاد نحو السيناريو السلبي، الذي يتوقع تباطؤ النمو إلى 2.5% وارتفاع التضخم إلى 5.4%.
أما السيناريو الأكثر تشاؤماً، فيفترض تباطؤ النمو إلى نحو 2% فقط، مع صعود التضخم إلى 5.8%، في انعكاس مباشر لتأثيرات الحرب الممتدة واضطرابات الطاقة على الاقتصاد العالمي.
وأشارت غورغيفا إلى أن توقعات التضخم على المدى الطويل لا تزال مستقرة نسبياً حتى الآن، كما أن الأوضاع المالية لم تشهد تشديداً كبيراً، لكنها حذرت من أن هذه المعطيات قد تتغير سريعاً إذا استمرت الأزمة الحالية دون احتواء.
النفط في قلب الأزمة الاقتصادية
وفي السياق ذاته، حذر مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، من أن إغلاق مضيق هرمز بدأ بالفعل ينعكس على إمدادات النفط العالمية، متوقعاً ظهور نقص فعلي في الأسواق مع استمرار تعطل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وأوضح أن نحو 20% من إمدادات النفط الخام العالمية كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الحرب، ما يجعل أي إغلاق طويل الأمد عاملاً ضاغطاً على الأسعار، ويؤدي إلى تقليص الطلب نتيجة شح المعروض، وبالتالي انكماش اقتصادي في عدد من الدول.
وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الطاقة باتت المحرك الرئيسي للمخاطر الاقتصادية الحالية، في ظل ارتباط وثيق بين أسعار النفط ومعدلات التضخم والنمو.
تداعيات ممتدة على الغذاء وسلاسل الإمداد
ولم تقتصر التأثيرات على قطاع الطاقة، إذ لفتت غورغيفا إلى أن سلاسل التوريد بدأت تتأثر بشكل تدريجي، مع تسجيل ارتفاعات في أسعار الأسمدة تتراوح بين 30% و40%، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء بزيادة تتراوح بين 3% و6%.
كما حذرت من أن قطاعات أخرى قد تتأثر لاحقاً، في حال استمرار الضغوط الحالية، ما يوسع نطاق الأزمة الاقتصادية لتشمل مجالات متعددة تتجاوز الطاقة والغذاء.
وانتقدت المديرة العامة للصندوق ما وصفته بتعامل بعض صناع القرار مع الأزمة على أنها قصيرة الأمد، مؤكدة أن هذا النهج قد يؤدي إلى إبقاء الطلب على النفط مرتفعاً، وبالتالي تعميق الاختلال بين العرض والطلب.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط الاقتصادية في مشهد معقد يزداد غموضاً يوماً بعد يوم. وبين سيناريوهات صندوق النقد وتحذيرات أسواق الطاقة، يبقى مسار الحرب عاملاً حاسماً في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

