أعادت شركة «إم إس سي» ميديترينيان شيبينغ، أكبر ناقل للحاويات في العالم، رسم مسارات التجارة البحرية عبر تدشين خط ملاحي هجين يربط موانئ شمال وغرب أوروبا بمنطقة الخليج العربي.
يعتمد هذا المسار بشكل جوهري على الموقع اللوجستي للمملكة العربية السعودية؛ حيث يدمج النقل البحري بالبري، لتأمين سلاسل الإمداد العالمية وتجاوز المخاطر الأمنية المتصاعدة في مضيق هرمز الذي يعاني من تبعات الحرب الأخيرة.
تنطلق أولى رحلات هذه الخدمة، التي حملت اسم «أوروبا – البحر الأحمر – الشرق الأوسط السريع»، الأحد المقبل، من ميناء أنتويرب البلجيكي.
الجسر السعودي كبديل استراتيجي
تأتي هذه الخطوة استجابة مباشرة لطلب عالمي متزايد يهدف للبحث عن ممرات تجارية آمنة وسط «الوضع الصعب في الشرق الأوسط»، كما وصفته الشركة في إشعارها الرسمي.
يقوم المسار الجديد على منظومة نقل متعددة الوسائط؛ فبدلًا من أن تُكمل السفن القادمة من أوروبا رحلتها المحفوفة بالمخاطر حول شبه الجزيرة العربية لدخول الخليج، تكتفي بعبور البحر المتوسط وقناة السويس وصولًا إلى البحر الأحمر.
هناك، تُفرغ السفن، التي تصل طاقة إحداها إلى 16 ألف حاوية، حمولاتها في موانئ الساحل الغربي للسعودية، وتحديدًا في ميناء جدة الإسلامي وميناء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية برابغ.
من هذه النقطة، تتولى شبكة نقل برية ضخمة نقل البضائع بالشاحنات عبر الأراضي السعودية بمسار يبلغ طوله نحو 1300 كيلومتر، مرورًا بالعاصمة الرياض، وصولًا إلى ميناء الدمام على الساحل الشرقي.
وبمجرد وصول الحاويات إلى الدمام، تتولى «سفن تغذية» صغيرة توزيع الشحنات إلى المراكز اللوجستية الحيوية في الخليج، مثل أبوظبي وميناء جبل علي، فضلًا عن موانئ البحرين والكويت والعراق.
ترجمة عملية لاستثمارات «رؤية 2030»
يعكس اختيار الموانئ السعودية كنقاط محورية لهذا الخط الملاحي الضخم مستوى الجاهزية العالية الذي بلغته البنية التحتية اللوجستية في المملكة.
وتُعد القدرة على استقبال سفن عملاقة وتفريغ آلاف الحاويات، ثم نقلها بريًا بكفاءة عالية عبر شبكة الطرق السريعة وربطها بميناء الدمام لإعادة التصدير، ثمرة استثمارات متواصلة تقودها الهيئة العامة للموانئ «موانئ» وفق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.
ويُرسخ هذا التحول مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي موثوق، قادر على ابتكار حلول مرنة تضمن استمرارية تدفق التجارة الدولية بمعزل عن الاضطرابات الأمنية الإقليمية. فالسعودية اليوم تتجاوز دورها التقليدي كممر مائي، لتصبح المُشغّل البري-البحري الأكثر استقرارًا في المنطقة، موفرة للشركات المتعددة الجنسيات خيارًا آمنًا لضمان وصول بضائعها وتجنب ارتفاع تكاليف التأمين البحري.
مكاسب استراتيجية للاقتصاد السعودي والخليجي
تتجاوز عوائد هذا الخط الملاحي مجرد تأمين البضائع، لتخلق حراكًا اقتصاديًا واسع النطاق على امتداد الجغرافيا السعودية.
ويُنعش النقل البري عبر مسافة 1300 كيلومتر بين جدة والدمام قطاعات النقل البري الثقيل، وإدارة المخازن، والخدمات المساندة، ويخلق فرصًا استثمارية ممتدة للقطاع الخاص السعودي على طول هذا الممر.
بالنسبة لاقتصادات دول الخليج المجاورة، يمثل مسار MSC الجديد طوق نجاة لوجستي.
فالمناطق الصناعية الحرة في الإمارات والكويت والبحرين تعتمد بكثافة على الشحن بالحاويات الذي كان يمر بانتظام عبر مضيق هرمز. وتوفير هذا البديل السريع والآمن يحمي المصانع وأسواق التجزئة من تعطل سلاسل الإمداد ويجنبها نقص المخزونات، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي في وقت الأزمات.
وباختصار، يُدشن مسار 10 مايو مرحلة جديدة من التعاون اللوجستي العالمي. وهو يمثل إعلانًا عمليًا بنجاح الرؤية السعودية في توظيف جغرافيتها كعامل استقرار استراتيجي للاقتصاد العالمي، لترسم بذلك مسارات آمنة تتجاوز بفضلها التجارةُ الدولية عنق الزجاجة وصراعات المضائق.

