تشهد الأسواق المالية العالمية موجة صعود قوية امتدت لليوم الثاني على التوالي، مدفوعة بتحولات حادة في تسعير المخاطر الجيوسياسية، مع تزايد الرهانات على اقتراب تسوية محتملة بين واشنطن وطهران، في وقت بدأت فيه الأسواق تعيد النظر في سيناريوهات الحرب لصالح احتمالات التهدئة، رغم استمرار حالة الغموض السياسي والعسكري في المشهد العام.
ويأتي هذا الأداء في ظل تداخل واضح بين التطورات السياسية وتحركات أسعار الطاقة، ما انعكس مباشرة على شهية المستثمرين، ودفع مؤشرات الأسهم في آسيا وأوروبا إلى تسجيل مكاسب لافتة، وسط تحسن نسبي في معنويات الأسواق العالمية.
أوروبا تقود الموجة بدعم من تراجع النفط
ارتفعت الأسهم الأوروبية في مستهل تعاملات الأربعاء، مع تراجع عوائد السندات السيادية في منطقة اليورو والمملكة المتحدة، مدفوعة بحالة تفاؤل متزايدة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى إحراز تقدم نحو اتفاق سلام شامل مع إيران.
وسجل المؤشر الأوروبي “ستوكس يوروب 600” ارتفاعاً بنسبة 1.3% ليصل إلى 617 نقطة، فيما صعد مؤشر “داكس” الألماني بنسبة 1.2% عند 24693 نقطة، وارتفع “كاك 40” الفرنسي بنسبة 1.3% إلى 8165 نقطة، بينما تقدم “فوتسي 100” البريطاني بنسبة 1.5% ليصل إلى 10369 نقطة.
تحركات لافتة في الأسهم الفردية
وعلى مستوى الشركات، قفز سهم “نوفو نورديسك” الدنماركية بنحو 7%، بعد إعلان الشركة المنتجة لعقار “ويغوفي” تحقيق إيرادات وأرباح تشغيلية معدلة للربع الأول تجاوزت التوقعات، ما دفعها إلى رفع توقعاتها السنوية بشكل طفيف.
في المقابل، تراجع سهم مجموعة الطاقة النرويجية “إكوينور” بنسبة 5%، بينما ارتفع سهم شركة صناعة السيارات الألمانية “بي إم دبليو” بنسبة 4.6% عقب الإفصاح عن نتائج فصلية إيجابية، ما عزز أداء قطاع السيارات داخل السوق الأوروبية.
ورغم هذه المكاسب، لا تزال الأسواق الأوروبية متأخرة نسبياً عن نظيراتها العالمية الكبرى، التي سجلت مستويات قياسية مدفوعة بموجة التفاؤل في قطاع الذكاء الاصطناعي.
آسيا تسجل مستويات قياسية بقيادة التكنولوجيا
وفي آسيا، قفزت الأسهم إلى مستويات قياسية يوم الأربعاء 6 مايو 2026، حيث ارتفع مؤشر إم إس سي آي لأسهم آسيا بنسبة 1.2%، مدعوماً بزخم قوي في قطاع التكنولوجيا وتجدد التفاؤل بشأن تجارة الذكاء الاصطناعي عالمياً، وفقاً لتقارير “بلومبرج”.
وسجلت أسهم كوريا الجنوبية قفزة بأكثر من 5% لتصل إلى مستوى قياسي، تزامناً مع تجاوز القيمة السوقية لشركة سامسونج إلكترونيكس حاجز تريليون دولار، في دلالة على قوة الزخم في قطاع التكنولوجيا الآسيوي.
النفط والذهب والسندات.. إعادة توزيع المخاطر
وتزامن هذا الصعود مع تراجع أسعار النفط بنسبة 1.1%، ليصل خام برنت إلى 108 دولارات للبرميل، وهو ما عزز معنويات المستثمرين وساهم في دعم مؤشرات الأسهم العالمية بشكل مباشر.
وساعد هبوط أسعار الطاقة في تحسين آفاق النمو العالمي وتقليص علاوات المخاطر الجيوسياسية، ما دفع مؤشرات وول ستريت إلى تسجيل مستويات قياسية جديدة، مدعومة كذلك بنتائج قوية لشركات الرقائق الإلكترونية وتوقعات بانخفاض الضغوط التضخمية.
وفي أسواق السندات، أدى تراجع النفط إلى ارتفاع السندات الأميركية طويلة الأجل، حيث انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً دون مستوى 5% مجدداً. وفي أسواق أخرى، ارتفع الذهب بنسبة 1.2% ليصل إلى 4610 دولارات للأونصة، بينما صعد الين الياباني بنسبة 0.2% مقابل الدولار الذي بدأ يفقد بعضاً من جاذبيته كملاذ آمن.
تطورات سياسية تزيد من زخم الأسواق
وفي تطور سياسي لافت، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق مشروع “الحرية” المخصص لمساعدة السفن العالقة في مضيق هرمز لفترة قصيرة، بهدف اختبار فرص استكمال اتفاق مع إيران، موضحاً أن الخطوة تأتي في إطار السعي للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الدائرة في المنطقة منذ فبراير الماضي.
ويرى محللون في “جيه بي مورجان” أن الأسواق مهيأة لمزيد من المكاسب واسعة النطاق، مشيرين إلى أن الأسهم تاريخياً تتجاوز الأحداث الجيوسياسية بسرعة بمجرد ظهور مؤشرات استقرار، في وقت يترقب فيه المستثمرون إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وما قد يترتب عليه من مزيد من التراجع في أسعار الطاقة العالمية ودعم أرباح الشركات الكبرى.
تعكس الموجة الحالية من الصعود في الأسواق العالمية تداخلاً واضحاً بين التفاؤل السياسي وتراجع المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب تأثير مباشر لأسعار الطاقة والذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل اتجاهات الاستثمار العالمية.

