تشهد الأسواق العالمية تحولات حادة في اتجاهاتها، مع تراجع أسعار النفط والغاز لليوم الثاني على التوالي، بالتزامن مع تصاعد التوقعات بقرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينهي الحرب المستمرة منذ نحو 10 أسابيع، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل سريع.
ويأتي هذا التحول في وقت تتقاطع فيه إشارات التهدئة السياسية مع تحركات الأسواق المالية، ما انعكس بوضوح على أسعار الطاقة والعملات والأسهم، في مشهد يعكس حساسية الأسواق لأي تطورات مرتبطة بمضيق هرمز وتدفقات الإمدادات العالمية.
هبوط حاد في النفط والغاز
انخفض سعر مزيج “برنت” بما يصل إلى 8.3% ليبلغ 100.72 دولار للبرميل في لندن، فيما تراجع خام “غرب تكساس” الوسيط بنسبة بلغت 9.5%، كما هبطت أسعار الغاز الأوروبي بنسبة وصلت إلى 9.2%.
وفي أحدث التعاملات، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يوليو بنسبة 8% إلى 101.11 دولار عند الساعة 11:04 صباحاً في لندن، بينما هبطت عقود خام غرب تكساس الوسيط تسليم يونيو بنسبة 9.3% إلى 92.77 دولار للبرميل، فيما انخفضت العقود الآجلة للغاز الأوروبي بنسبة 8.8% إلى 42.70 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
كما تراجع خام برنت إلى ما دون 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ 22 أبريل، قبل أن يقلص جزءاً من خسائره، في ظل استمرار تأثير الأنباء المتعلقة بالمفاوضات.
اتفاق محتمل يعيد رسم خريطة الإمدادات
جاء هذا التراجع بعد تقرير نشره موقع “أكسيوس”، أفاد بأن واشنطن ترى أنها باتت قريبة من التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران من صفحة واحدة لإنهاء الحرب، مع توقع تلقي رد إيراني خلال 48 ساعة.
وبحسب التقرير، فإن الاتفاق المقترح يتضمن رفع القيود عن مضيق هرمز وإعادة فتحه أمام الملاحة، بما يسمح باستئناف تدفقات النفط من المنطقة، إلى جانب التزام إيران بوقف أنشطة التخصيب مقابل رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.
ويأتي ذلك بعد ارتفاع أسعار النفط بنحو 40% منذ اندلاع الصراع في نهاية فبراير، نتيجة تعطل تدفقات مئات الملايين من براميل النفط، في ظل حصار مزدوج أعاق حركة الملاحة عبر المضيق الحيوي.
ضغوط على الإمدادات العالمية ومخاوف الغاز
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى تعطل نحو خمس الإمدادات العالمية من الغاز، ما زاد من حدة المنافسة على الشحنات المنقولة بحراً، خاصة مع توجه معظمها إلى آسيا، في وقت تسعى فيه أوروبا إلى إعادة ملء مخزوناتها قبل فصل الشتاء.
وفي هذا السياق، دعا أرفع مسؤول دبلوماسي في الصين إلى إعادة فتح المضيق سريعاً، خلال لقاء مع نظيره الإيراني، في مؤشر على تصاعد الجهود الدولية لاحتواء الأزمة، قبيل لقاء مرتقب بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترمب.
تحركات في الأسواق المالية والدولار
امتدت تداعيات التطورات السياسية إلى أسواق العملات، حيث تراجع الدولار الأمريكي ليمحو مكاسبه منذ بداية الحرب، مع هبوط مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري بنسبة 0.8% إلى أدنى مستوى منذ 26 فبراير.
كما تعرضت العملات المرتبطة بالطاقة، مثل الدولار الكندي والكرونة النرويجية، لضغوط، في ظل انخفاض أسعار النفط، بينما ساهم ارتفاع الين الياباني في زيادة الضغوط على العملة الأمريكية.
وفي سوق السندات، انخفض عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 9 نقاط أساس إلى 4.34%، في إشارة إلى تراجع الطلب على أصول الملاذ الآمن.
الأسهم ترتفع والتفاؤل الحذر يسيطر
في المقابل، افتتحت مؤشرات “وول ستريت” تعاملات الأربعاء على ارتفاع، مدفوعة بآمال التوصل إلى اتفاق سلام، حيث صعد مؤشر “داو جونز الصناعي” 143.9 نقطة إلى 49442.19 نقطة.
كما ارتفع مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بمقدار 34.9 نقطة إلى 7294.14 نقطة، فيما زاد مؤشر “ناسداك المجمع” 169 نقطة ليصل إلى 25495.166 نقطة، وفقاً لبيانات “رويترز”.
ويرى محللون أن الأسواق تتبنى حالياً “تفاؤلاً حذراً”، مع بدء استبعاد بعض السيناريوهات السلبية التي كانت مسعّرة خلال الفترة الماضية، في ظل استمرار عدم اليقين بشأن توقيت تعافي الإمدادات بشكل كامل.
تعافي الإمدادات يحتاج وقتاً
وفي هذا السياق، قالت ديلين وو، استراتيجية الأبحاث في “بيبرستون”، إن عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية لن تكون فورية، حتى في حال التوصل إلى اتفاق، مشيرة إلى أن إعادة توجيه الناقلات وإعادة تسعير المخاطر في سوق التأمين ورفع الإنتاج تتطلب وقتاً.
وأضافت أن تدفقات النفط عبر المضيق لا تزال محدودة، ما يعني أن الأسواق ستظل تتعامل مع مرحلة انتقالية قبل استعادة التوازن الكامل.
تعكس التحركات الأخيرة في الأسواق حالة تحول من تسعير سيناريو الحرب إلى احتمالات التهدئة، إلا أن مسار التعافي يظل مرهوناً بتطورات المفاوضات وسرعة استعادة تدفقات الطاقة، ما يبقي الأسواق في حالة ترقب حذر خلال الفترة المقبلة.

