لم يكن خبر رحيل الفنان المغربي عبد الوهاب الدوكالي مجرد إعلان وفاة عابر في نشرات الأخبار، بل كان أشبه بإسدال ستار هادئ على فصل طويل من ذاكرة الطرب العربي.
برحيله عن 85 عامًا، تفقد الساحة الفنية صوتًا لم يكن فقط يُغنّي، بل كان يروي، ويُداوي، ويمنح الكلمات حياة أخرى.
في أحد مستشفيات الدار البيضاء، توقفت رحلة جسد أنهكته الجراحة، لكن الروح التي سكنت أغانيه ظلت متقدة في وجدان الملايين. لم يكن الدوكالي مجرد فنان، بل حالة وجدانية خاصة، اختار أن يعيشها ببساطة، وأن يقدّمها بصدق، دون صخب أو ادعاء.
وُلد “عميد الأغنية المغربية” في فاس عام 1941، وسط أسرة كبيرة، كأنها كانت تمهّد له منذ البداية أن يكون صوتًا للجماعة لا للفرد فقط. هناك، في أزقة المدينة العتيقة، تشكّلت ملامح حسه الفني، بين الموسيقى والتمثيل والرسم، قبل أن يشق طريقه مبكرًا نحو الإبداع، حاملاً مزيجًا نادرًا من الثقافة والموهبة.
لم يكن الطريق سهلًا، لكنه كان واضحًا، منذ أولى خطواته مع أغنية «مول الخال»، ثم انطلاقته القوية بـ«يا الغادي في الطوموبيل»، أدرك الجمهور أنه أمام صوت مختلف. صوت يعرف كيف يمسك بالخيط الرفيع بين البساطة والعمق، بين الشعبي والنخبوي، بين الزجل المغربي واللغة العربية الفصحى.
على مدار أكثر من 6 عقود، لم يتوقف الدوكالي عن التجريب، لكنه ظل وفيًا لجذوره. في «مرسول الحب»، لم يكن مجرد عاشق يغني، بل رسول مشاعر إنسانية خالصة. وفي «ما أنا إلا بشر»، بدا كأنه يعرّي هشاشة الإنسان أمام نفسه، بينما حملت «كان يا مكان» شيئًا من الحنين الذي لا يشيخ.
لم يكن صوته فقط هو ما يميّزه، بل قدرته على أن يجعل من الأغنية حكاية مكتملة، فيها لحن يتنفس، وكلمة تنبض، وأداء يلامس القلب دون استئذان. لذلك، لم يكن غريبًا أن يتجاوز حدود المغرب، ليصبح أحد أبرز من قدّموا الأغنية المغربية إلى العالم العربي، دون أن يتخلى عن هويته.
في حياته، كان الدوكالي هادئًا كألحانه، يميل إلى العزلة النبيلة، ويبتعد عن ضجيج الأضواء، كأنه كان يدرك أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى صخب ليبقى. كرّمه العالم، وحصد جوائز وأوسمة من عواصم مختلفة، لكن أعظم تكريم ظل في قلوب من حفظوا أغانيه عن ظهر قلب.

