تجاوز الصراع بين الدول الكبرى ساحات المعارك التقليدية، ليتخذ أشكالًا خفية تستهدف شرايين الحياة المدنية وتهدد الأمن المجتمعي المباشر؛ ففي تصعيد لافت للتوترات الجيوسياسية، وجهت عواصم غربية اتهامات مباشرة لموسكو بشن هجمات سيبرانية استهدفت محطات معالجة المياه.
ظهر هذا التوجه بوضوح في إعلان وكالة الاستخبارات البولندية إحباطها محاولات متعددة للسيطرة على معدات صناعية في خمس محطات مياه مختلفة، مرجعةً ذلك لأنشطة تخريبية تديرها وتوجهها أجهزة الاستخبارات الروسية.
وتمثل هذه التصريحات تحولًا نوعيًا في لغة الخطاب الاستخباراتي الأوروبي، وتوجه الأنظار نحو تأمين الموارد الأساسية التي تمس حياة المواطنين اليومية وتعد عصب الاستقرار الداخلي.
تتزامن هذه الاتهامات البولندية مع تحذيرات متصاعدة ومستمرة داخل الأروقة الأمريكية المراقبة للتهديدات السيبرانية الوطنية. إذ أصدرت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) بالتعاون مع وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) تقارير صارمة تفيد بأن محطات المياه في أنحاء الولايات المتحدة تواجه تصاعدًا غير مسبوق في الاختراقات الموجهة.
تنسب واشنطن هذه العمليات صراحة لجهات ترعاها دول أجنبية، وتشير التقييمات الغربية إلى أن هذه الاختراقات قد تسمح للقراصنة بتعطيل المضخات الأساسية وتغيير مستويات المواد الكيميائية الحيوية إلى نسب خطيرة تهدد حياة الملايين.
وتستحضر الذاكرة الأمنية الأمريكية في هذا الإطار حادثة عام 2021 في مدينة أولدسمار بولاية فلوريدا، عندما حاول مخترق زيادة نسبة هيدروكسيد الصوديوم في المياه لتصبح مادة كاوية وقاتلة، مما دق ناقوس الخطر بقوة حول هشاشة هذه المرافق.
وينبع التركيز الغربي المكثف على قطاع المياه من تصنيفه كخاصرة رخوة وضعيفة في جسد البنية التحتية الحيوية الغربية.
وتوضح التحليلات الاستراتيجية لخبراء الأمن السيبراني أن التمويل التقني المحدود لهذا القطاع، مقارنةً بقطاعات سيادية كالدفاع والطاقة والقطاع المصرفي، يجعل هذه المنشآت أهدافًا مثالية لإحداث ذعر مجتمعي بتكلفة منخفضة للغاية.
وتؤكد مؤسسات الرصد السيبراني أن ثغرة إلكترونية واحدة تكفي لاختراق أنظمة حساسة متصلة بالإنترنت، مما يعرض الأمن المائي للخطر المطلق، ويمنح المهاجمين قدرة استثنائية على تعطيل التوزيع أو تلويث الإمدادات بطرق يصعب اكتشافها في مراحلها الأولى.
هياكل هندسية متقادمة
على المستوى التقني البحت، يتفق خبراء الأمن السيبراني على أن الهياكل الهندسية المتقادمة تمثل دعوة مفتوحة للمخترقين حول العالم.
تعتمد الغالبية العظمى من مرافق المياه الغربية على أنظمة المراقبة واكتساب البيانات (SCADA)، وهي أنظمة صُممت في الأساس لتعمل في بيئات تشغيلية مغلقة تمامًا دون أي اتصال بشبكة الإنترنت المفتوحة.
ومع الاتجاه المتزايد نحو الرقمنة والتحكم عن بعد لتقليل تكاليف التشغيل الباهظة، تم ربط هذه الأنظمة المتقادمة بشبكات خارجية دون تحديث بروتوكولات الحماية الأمنية لتواكب التهديدات الحديثة والمتطورة.
يجعل هذا التحول التكنولوجي غير المدروس محطات المياه عرضة للقرصنة باستخدام أدوات برمجية بسيطة، مما يمنح الفاعلين قدرة غير مسبوقة على التحكم في صمامات التوزيع ومراقبة نسب الكلور وتغيير الضغط الكيميائي في الأنابيب.
وتضع العواصم الغربية هذه الحوادث التقنية المتفرقة في إطار استراتيجية «الحرب الهجينة» الشاملة التي تتهم الكرملين بانتهاجها منذ سنوات طويلة.
ويفسر حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومراكز الأبحاث الاستراتيجية في واشنطن ولندن هذه الهجمات على أنها أداة للضغط السياسي المباشر على صانع القرار الأوروبي والأمريكي.
وتزعم التقييمات الاستراتيجية الغربية أن الهدف الأساسي يكمن في معاقبة الدول الداعمة لأوكرانيا وإرهاقها داخليًا.
وتسعى موسكو، وفقًا للرواية الغربية السائدة، إلى إجبار هذه الدول على تحويل انتباهها وميزانياتها الضخمة لتأمين جبهاتها الداخلية ومرافقها المدنية، وخلق حالة من الاستنزاف المستمر لضرب التركيز الاستراتيجي للتحالف الغربي.
أهمية الساحة البولندية
تكتسب الساحة البولندية أهمية جيوسياسية مضاعفة واستثنائية في هذا السياق الإقليمي المتوتر. وتمثل وارسو نقطة ارتكاز استراتيجية حاسمة ومركزًا لوجستيًا رئيسيًا لحلف الناتو في دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا واستخباراتيًا.
وتدعي التقارير الاستخباراتية المتداولة في العواصم الأوروبية أن الكرملين يسعى جاهدًا لزعزعة استقرار الداخل البولندي عبر وسائل غير تقليدية وصامتة.
وتعتبر الهجمات السيبرانية المتكررة على محطات المياه والكهرباء وسائل مثالية لإرسال تحذيرات مبطنة وقوية للقيادة البولندية، وإظهار القدرة الفعلية على شل الحياة العامة، مما يخلق ضغوطًا شعبية داخلية تطالب بوقف التدخل في النزاعات الخارجية لتجنب الأزمات المعيشية اليومية.
وفي محاولة مستمرة لرسم خريطة الفاعلين ورصد تحركاتهم، تربط وكالات الاستخبارات وشركات الأمن السيبراني الكبرى هذه العمليات بمجموعات منظمة ذات قدرات عالية جدًا.
وتنسب تقارير التحليل التقني الصادرة عن كيانات ضخمة مثل «مانديانت» التابعة لجوجل، عمليات استهداف المرافق الأوروبية والأمريكية إلى مجموعة تُعرف باسم «Sandworm»، إضافة إلى مجموعات موالية تعمل تحت مظلات رقمية مختلفة.
وتربط الاستخبارات الغربية هذه المجموعات مباشرة بمديرية المخابرات الرئيسية الروسية (GRU).
وتدعي التحليلات التقنية أن هذه المجموعات طورت أساليبها التدميرية بشكل مقلق وواسع النطاق، وتتجه بخطى ثابتة نحو التخريب المادي الفعلي للبنى التحتية، مما يعكس تصعيدًا خطيرًا وجذريًا في قواعد الاشتباك السيبراني العالمي.
وتتسع دائرة الاتهامات الغربية لتشمل فاعلين دوليين آخرين في المشهد، حيث تتقاطع المصالح الجيوسياسية في استهداف البنى التحتية للدول الغربية وإضعافها.
وتوجه الأجهزة الفيدرالية الأمريكية أصابع الاتهام بشكل رسمي وموثق إلى مجموعات تصفها بأنها مدعومة من طهران، على غرار مجموعة «CyberAv3ngers»، بتنفيذ هجمات ناجحة ومتزامنة على لوحات التحكم الرقمية المتصلة بمحطات مياه في ولاية بنسلفانيا وعدة ولايات أمريكية أخرى.
وترى واشنطن أن هذه الهجمات المتعمدة تأتي كرد فعل تكتيكي سريع على تصاعد الأعمال العدائية والتوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، وتوظف كرسائل ردع واضحة لضرب الأمن الداخلي الأمريكي وإظهار القدرة الكاملة على الوصول إلى أهداف مدنية حساسة في العمق الجغرافي للولايات المتحدة.
ويعكس هذا التداخل المتزايد والمقلق في مسار الهجمات تعقيدات ما يُعرف في الأدبيات العسكرية والأمنية الحديثة بمصطلح «المنطقة الرمادية».
وتتميز هذه المنطقة المعقدة بتنفيذ أعمال عدائية وتخريبية تضر بشدة بالأمن القومي واقتصاد الدول الخصوم، وتحافظ في الوقت نفسه على مستوى تصعيد يظل عمدًا دون العتبة القانونية التي تستوجب إعلان حرب عسكرية رسمية أو تفعيل بند الدفاع المشترك بموجب المادة الخامسة الشهيرة من ميثاق الناتو.
وتعتبر مرافق معالجة المياه، جنبًا إلى جنب مع الكابلات البحرية لشبكة الإنترنت العالمية وشبكات الكهرباء الوطنية، أهدافًا نموذجية ومفضلة للغاية لهذا النوع من الحروب غير المعلنة التي تتجنب الجيوش النظامية وتستهدف إرادة المدنيين مباشرة.
وتخلص التقييمات الأمنية والدفاعية المستقلة في الغرب إلى أن قطاع المياه والخدمات الأساسية تحول إلى نقطة ضعف حرجة وحاسمة في معادلة القوة العالمية الراهنة والمستقبلية.
وبغض النظر عن مدى دقة الاتهامات الغربية أو كونها تعكس تهديدًا ممنهجًا تقوده حكومات مناوئة أو تمثل جزءًا من حرب استخباراتية ودعائية مضادة، تظل الوقائع الميدانية والتقنية شاهدة على بروز حقائق جديدة وتحديات مرعبة.
وتأتي في مقدمة هذه الحقائق الثابتة أن حماية الأمن القومي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين تتجاوز بكثير مجرد تأمين الحدود الجغرافية العسكرية ونشر منظومات الدفاع الجوي المتطورة.
وتتطلب السيادة الوطنية الحديثة، وفق تقديرات الخبراء المتخصصين، تحصين الخوادم الرقمية وأنظمة التشغيل الصناعية المعزولة التي تتحكم في شريان الحياة اليومي للمجتمعات، فالصراعات القادمة تبدأ بقطرة ماء مسمومة وتسبق دائمًا إطلاق الرصاصة الأولى في المعركة.

