في الوقت الذي يتجه فيه كثير من المستخدمين إلى ما يُعرف بـ«الديتوكس الرقمي» أو الابتعاد المؤقت عن وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وإنستغرام، أملًا في تحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر، جاءت مراجعة علمية حديثة لتضع هذا الاعتقاد موضع تساؤل، مؤكدة أن التوقف الكامل عن هذه المنصات لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن واضح في الحالة النفسية أو مستوى الرضا عن الحياة.
وكشفت الدراسة، التي تناولت نتائج عدد كبير من الأبحاث السابقة، أن الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي لم يُحدث تأثيرًا ملموسًا سواء بالإيجاب أو السلب على المشاعر العامة لدى الأفراد، وهو ما يتعارض مع الفكرة الشائعة بأن «قطع الاتصال الرقمي» ينعكس مباشرة على تحسين المزاج والصحة النفسية.
«مفارقة الاتصال الرقمي».. فوائد لا تلغي الضغوط
أوضحت الدراسة أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية في العصر الرقمي، حيث توفر فرصًا للتواصل الاجتماعي والحصول على الدعم النفسي، لكنها في المقابل قد تخلق ضغوطًا نفسية نتيجة المقارنة المستمرة بالآخرين وكثرة الإشعارات والمحتوى المتسارع.
ويصف علماء النفس هذه الحالة بـ«مفارقة الاتصال الرقمي»، إذ تمنح التكنولوجيا شعورًا دائمًا بالارتباط بالآخرين، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد من التوتر والإرهاق الذهني. هذا التناقض جعل البعض يتجه إلى فكرة «التخلص من السموم الرقمية»، باعتبارها وسيلة لإعادة التوازن النفسي والابتعاد عن الضغط المستمر.
نتائج علمية مفاجئة: لا تحسن واضح في المزاج
قاد فريق بحثي من جامعتي أنتويرب وغنت مراجعة علمية شاملة لعدد كبير من الدراسات، وخلص إلى أن التوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لم يُظهر تأثيرًا ذا دلالة إحصائية على المشاعر الإيجابية مثل الحماس والطاقة، ولا على المشاعر السلبية مثل القلق والحزن والغضب.
كما أظهرت النتائج عدم وجود تحسن ملحوظ في مستوى الرضا العام عن الحياة حتى لدى الأشخاص الذين توقفوا عن الاستخدام لفترات وصلت إلى شهر كامل. وأشار الباحثون إلى أن بعض الأفراد قد يشعرون بالعزلة أو فقدان التواصل الاجتماعي نتيجة الانقطاع عن هذه المنصات، وهو ما قد يعوض أي فوائد محتملة.
الاستخدام المتوازن هو الحل الأقرب للواقعية
خلصت الدراسة في نهايتها إلى أن الابتعاد الكامل والمفاجئ عن وسائل التواصل الاجتماعي قد لا يكون الحل الأمثل لتحسين الصحة النفسية. وبدلًا من ذلك، أوصى الباحثون بالتركيز على الاستخدام المتوازن، مثل تقليل وقت الاستخدام، أو تعطيل الإشعارات المزعجة، أو تنظيم أوقات محددة للتصفح.
وبذلك، تشير النتائج إلى أن العلاقة مع العالم الرقمي لا تحتاج إلى «قطع كامل»، بل إلى إدارة واعية توازن بين فوائد التواصل الرقمي وتقليل آثاره السلبية المحتملة.

