في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة العالمية، تتجه الدول الأوروبية إلى توسيع حضورها العسكري والسياسي في محيط مضيق هرمز، بالتزامن مع استمرار الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع تهدد واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم.
وأعلنت إيطاليا عزمها إرسال وحدات بحرية متخصصة في إزالة الألغام إلى المنطقة، ضمن تحركات أوروبية تقودها كل من بريطانيا وفرنسا لتعزيز أمن الملاحة وحماية خطوط الطاقة الدولية. وأوضح وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتّو أن نشر هذه القوات يأتي في إطار استعدادات وقائية تبدأ من شرق البحر المتوسط وصولاً إلى البحر الأحمر، مشيراً إلى أن أي مشاركة مباشرة في عمليات داخل مضيق هرمز ستظل مرتبطة بموافقة البرلمان الإيطالي وتوافر ظروف سياسية وأمنية مستقرة.
ويأتي التحرك الأوروبي في وقت يدرس فيه الاتحاد الأوروبي توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية، التي أُطلقت أساساً لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية، لتشمل مضيق هرمز بعد انتهاء العمليات العسكرية المرتبطة بالأزمة الإيرانية.
وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس أن عدداً من الدول الأوروبية أبدى استعداداً لتوفير مزيد من القطع البحرية دعماً لأي مهمة مستقبلية في المنطقة.
ويعكس هذا الحراك الأوروبي مخاوف متزايدة من التداعيات الاقتصادية لاستمرار اضطراب الملاحة في المضيق، الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط والغاز العالمية، إذ أدى التوتر الحالي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد الدولية، وسط تحذيرات من تأثيرات أوسع على الاقتصاد العالمي.
وفي موازاة التحرك الأوروبي، كثفت لندن وباريس مشاوراتهما لتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات تتولى تأمين الملاحة في المضيق. وأعلنت الحكومة البريطانية إرسال المدمرة «إتش إم إس دراغون» إلى الشرق الأوسط، إلى جانب تجهيزات متطورة تشمل أنظمة مسيّرة لكشف الألغام ومقاتلات «تايفون» لتنفيذ دوريات جوية في المنطقة.
وأكد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن المهمة المقترحة ستكون دفاعية الطابع وتعمل ضمن إطار دولي متعدد الأطراف، موضحاً أن بريطانيا خصصت دعماً مالياً إضافياً لتطوير قدرات كشف الألغام والتصدي للطائرات المسيّرة، في محاولة لطمأنة قطاع الشحن العالمي بشأن حرية الملاحة في الخليج.
من جهتها، تسعى فرنسا إلى منح التحرك الدولي غطاءً سياسياً ودبلوماسياً عبر الأمم المتحدة، حيث أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نية بلاده طرح مبادرة أممية لإنشاء إطار لمهمة بحرية «محايدة وسلمية» تضمن أمن الملاحة في مضيق هرمز مستقبلاً.
ودعا ماكرون إلى إعادة فتح المضيق دون شروط أو قيود، معتبراً أن ضمان تدفق التجارة والطاقة عبر هذا الممر يمثل أولوية دولية عاجلة، كما شدد على ضرورة استئناف الحوار بين واشنطن وطهران بشأن الملفين النووي والصاروخي الإيراني، بالتوازي مع جهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد الإقليمي.
في المقابل، تواصل إيران التمسك بموقفها المتشدد تجاه المضيق، حيث حذرت طهران من أن أي انتشار عسكري أوروبي أو غربي في المنطقة سيواجه برد «فوري وحاسم»، في وقت تؤكد فيه القيادات الإيرانية أن السيطرة على هرمز أصبحت ورقة استراتيجية رئيسية في أي مفاوضات مقبلة مع الغرب.
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد المخاوف داخل إيران من احتمال توسع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، خصوصاً مع استمرار الحشود العسكرية في المنطقة وتشديد واشنطن إجراءات الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية دخلت مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، في ظل تمسك جميع الأطراف بأوراق الضغط، ما يجعل مستقبل الملاحة في مضيق هرمز رهينة توازن دقيق بين احتمالات التهدئة وخطر الانفجار الإقليمي.

