في توقيت بالغ الحساسية تشهده أسواق الطاقة العالمية، سمحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانتهاء العمل بإعفاء من العقوبات كان يسمح لبعض الدول، وفي مقدمتها الهند، بمواصلة شراء النفط الروسي المنقول بحراً، في خطوة تعكس تشدداً متزايداً تجاه موسكو، رغم المخاوف المتصاعدة من اضطراب الإمدادات العالمية وارتفاع الأسعار.
ويأتي القرار بينما لا تزال أسواق النفط تعاني تداعيات التوترات في الشرق الأوسط وإغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو ما دفع واشنطن خلال الأسابيع الماضية إلى اتخاذ سلسلة إجراءات استثنائية لمحاولة احتواء أزمة الطاقة ومنع انفلات أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
انتهاء الإعفاء.. ورسائل ضغط جديدة على موسكو
وكان الإعفاء الأميركي قد أتاح لدول عدة، أبرزها الهند، شراء النفط الروسي المخزن على الناقلات البحرية، ضمن ترتيبات مؤقتة هدفت إلى تخفيف النقص الحاد في الإمدادات بعد تعطل جزء كبير من حركة النفط عبر الخليج.
لكن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أعلن في وقت سابق أن الإدارة لن تمدد الترخيص العام مجدداً، فيما لم تنشر وزارة الخزانة أي إشعار رسمي بالتجديد حتى مساء السبت بتوقيت واشنطن، الأمر الذي اعتُبر تأكيداً عملياً لانتهاء العمل بالإعفاء.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة أميركية لزيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا وتقليص عائداتها النفطية، بالتزامن مع استمرار الحرب في أوكرانيا، رغم التحذيرات من أن ذلك قد يدفع أسعار النفط العالمية إلى مستويات أعلى.
الديمقراطيون يضغطون.. والطاقة في قلب المعركة السياسية
وجاء القرار بعد ضغوط من قيادات ديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، إذ طالبت السيناتورتان جين شاهين وإليزابيث وارن إدارة ترامب بعدم تجديد الإعفاء، معتبرتين أن استمرار العمل به يمنح روسيا موارد مالية تساعدها على تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا.
وأكدتا أن الإعفاء لم يحقق الهدف المعلن منه بخفض أسعار الوقود للمستهلك الأميركي، في وقت ما تزال فيه أسعار البنزين مرتفعة قرب أعلى مستوياتها منذ عام 2022.
أسعار الوقود تواصل الارتفاع رغم الإجراءات الاستثنائية
وخلال الأشهر الأخيرة، حاولت إدارة ترامب احتواء موجة ارتفاع أسعار الطاقة عبر حزمة إجراءات استثنائية، شملت السحب من الاحتياطي الاستراتيجي للنفط، ومنح إعفاءات مؤقتة لبعض قواعد الشحن الأميركية، إلى جانب دعم فكرة تعليق الضريبة الفيدرالية على البنزين البالغة 18.4 سنتاً للغالون.
لكن هذه الإجراءات لم تنجح في تهدئة السوق بصورة ملموسة، إذ استقرت أسعار البنزين في الولايات المتحدة قرب 4.50 دولارات للغالون، بينما واصل النفط التداول عند مستويات تقارب 100 دولار للبرميل منذ اندلاع الحرب المرتبطة بإيران في فبراير الماضي.
ويرى مراقبون أن استمرار التوتر في مضيق هرمز، إلى جانب القيود المفروضة على النفط الروسي، يضع سوق الطاقة العالمية أمام معادلة شديدة التعقيد بين الأمن الجيوسياسي واستقرار الأسعار.
الهند والصين في قلب الحسابات الأميركية
وتُعد الهند أكبر مشترٍ للنفط الروسي المنقول بحراً، إذ اقتربت وارداتها من مستويات قياسية خلال شهري أبريل ومايو، مستفيدة من الإعفاء الأميركي المؤقت.
وفي الوقت ذاته، كشف ترامب أنه ناقش مع الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته الأخيرة إلى بكين إمكانية تخفيف العقوبات عن الشركات الصينية التي تشتري النفط الإيراني، مشيراً إلى أنه سيحسم موقفه قريباً.
وتعكس هذه التصريحات حجم التعقيد الذي يواجهه البيت الأبيض، إذ تحاول واشنطن موازنة الضغوط السياسية على خصومها مع الحاجة إلى منع حدوث أزمة طاقة عالمية واسعة قد تنعكس مباشرة على الاقتصاد الأميركي والأسواق الدولية.
سوق متوتر.. والعالم يترقب الخطوة التالية
ويخشى متعاملون في أسواق الطاقة من أن يؤدي تشديد العقوبات على النفط الروسي، بالتزامن مع استمرار اضطراب الملاحة في الخليج، إلى تقليص المعروض العالمي بصورة أكبر، ما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والتضخم عالمياً.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو أسواق النفط عالقة بين حسابات السياسة والصراع الجيوسياسي، بينما يترقب المستثمرون ما إذا كانت واشنطن ستواصل سياسة التشدد أم ستلجأ مجدداً إلى حلول استثنائية لتجنب أزمة طاقة أوسع.

