لم تعد إدارة حشود ملايين الحجاج في المشاعر المقدسة تعتمد على الخبرة الميدانية وحدها، بل تحولت إلى علم دقيق تتقاطع فيه البيانات الضخمة مع الذكاء الاصطناعي، لتشكل درعاً تقنياً يضمن سلامة ضيوف الرحمن وانسيابية حركتهم.
وتطبق السعودية هذا العام منظومة رقمية متطورة تعد الأضخم من نوعها، تهدف إلى تحويل المشاعر المقدسة إلى بيئة ذكية تتنبأ بالمخاطر وتدير الأزمات قبل وقوعها.
«خوارزميات» السلامة.. العقل المدبر للحشود
في قلب هذه المنظومة، تأتي تقنيات الرؤية الحاسوبية عبر منصات متطورة مثل «بصير» و«سواهر».
هذه الأنظمة لا تكتفي بالمراقبة، بل تقوم بتحليل الكثافات البشرية لحظة بلحظة، وتطلق تنبيهات استباقية لغرف العمليات في حال رصدت أي تكتل قد يؤثر على انسيابية الحركة.
وبفضل «التحليل التنبئي»، تستطيع مراكز القيادة والتحكم قراءة أنماط تدفق الحجاج، مما يتيح إعادة توجيه الحشود فوراً إلى مسارات بديلة عبر الأنظمة الإلكترونية الميدانية.
منصة «نُسك».. رحلة رقمية متكاملة
وتُعد منصة «نُسك» العمود الفقري للرحلة؛ فهي ليست مجرد تطبيق للتصاريح، بل نافذة رقمية تربط الحاج بكافة الخدمات اللوجستية والطبية.
وتأتي «بطاقة نُسك الذكية» كأداة تعريفية رقمية، تحتوي على سجل الحاج الطبي وبياناته، مما يسهل على الفرق الصحية تقديم الدعم السريع في حالات الطوارئ، وهو ما يتكامل مع التطبيق الوطني الشامل «توكلنا» ومنصة «أسعفني» للهلال الأحمر، لخلق شبكة استجابة سريعة تغطي المشاعر.
البنية التحتية.. التكنولوجيا في خدمة الميدان
لا تكتمل المنظومة دون بنية تحتية رقمية فائقة السرعة؛ حيث عززت السعودية تغطية شبكات الجيل الخامس (5G) في مكة والمشاعر لتوفير اتصال دائم للطواقم الميدانية.
وفي الأجواء، تفرض الطائرات بدون طيار (الدرونز) سيطرتها، ناقلةً صوراً حية لغرف العمليات، بينما تُدار حركة النقل عبر نماذج رقمية تحاكي تدفق المشاة والمركبات، لضمان أعلى مستويات الكفاءة في التنقل الترددي.
مبادرة «طريق مكة».. تقليص المسافات
وهي إحدى مبادرات وزارة الداخلية السعودية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وتهدف إلى إنهاء إجراءات حجاج الخارج من مطارات دولهم، بدءاً من إصدار التأشيرة إلكترونياً، مروراً بالتحقق من الاشتراطات الصحية، والخصائص الحيوية، وفرز الأمتعة، وصولاً إلى تسهيل الدخول للمملكة ونقلهم مباشرة إلى مقار إقامتهم.
الرقابة الوقائية والتوعية
خلف الكواليس، يعمل التجمع الصحي وقطاعات الرقابة على تفعيل زيارات ميدانية رقمية للمنشآت الغذائية، لضمان امتثالها للمعايير الصحية.
هذا التكامل بين الأمن الرقمي والأمن الصحي يعزز من قدرة السعودية على توفير بيئة صحية، حيث يتم توجيه الحجاج عبر حملات توعوية ذكية -مثل «حج بصحة»- التي تركز على تصحيح العادات الغذائية، الوقاية من الإجهاد الحراري، وتعزيز الترطيب، لضمان أداء النسك بأعلى درجات السلامة.

