عائشه الفضلي
كاتبة وناقدة في مجال الفن السعودي
لا تولد الأعمال الفنية من فراغ، فالفن بطبيعته امتداد بصري وفكري لتجارب سبقته، وصدى لذاكرة إنسانية وثقافية طويلة تشكلت عبر العصور فمنذ بدايات التعبير التشكيلي، لم يكن الفنان يعمل داخل مساحة معزولة عن غيره، بل ظلّ يتأثر، ويراقب، ويعيد القراءة، ويعيد تشكيل ما يمر أمامه وفق رؤيته الخاصة لذا لم يكن غريباً أن يتطابق حدس الفنانين أحياناً إذ كثيراً ما يقف المبدع مذهولاً أمام عملٍ فني في بقعةٍ أخرى من العالم، يحاكي فكرةً ظنّ أنه يملك امتياز ابتكارها، وهو ما يُطلق عليه في علم الجمال التَّوارد الذهني أو التخاطر البصري، حيث ينهل المبدعون من مخزون إنساني مشترك.
فالمظاهر الطبيعية، والتحولات الاجتماعية، كلها عوامل تُلقي بظلالها على سيكولوجية الفنانين في آنٍ واحد،ليكون هذا التقاطع امتداداً طبيعياً لفكرة عامة ودليلاً على أن الفن لغة كونية تتجاوز الحدود وليس بالضرورة علامة على السرقة أو التقليد.
إن مجرد تشابه اللون، أو الموضوع، أو حتى البناء البصري، لا يكفي وحده لإصدار حكم نهائي بالانتحال لأن الفن لا يُقرأ بوصفه صورة منفصلة عن سياقها، أنما بوصفه تجربة كاملة تحمل خلفيتها وموقفها الخاص.
ومن هذا المنطلق، يبرز الاقتباس في تاريخ الفن بوصفه ممارسة مشروعة، والتاريخ يشهد أن الفنون لم تبدأ من نقطة الصفر فالحضارة الرومانية قديمًا اقتبست بشكل واسع من النحت الإغريقي اليوناني، لكنها لم تستنسخه حرفياً، بل أضافت إليه واقعيتها السياسية والاجتماعية الفريدة ومنحته روحاً إمبراطورية جديدة.
كذلك، فإن التأثر بأسلوب فنان آخر ليس نقيصة، أنما هو امتداد طبيعي للحركة الفنية،
فحينما نرى لوحة “نساء الجزائر” للفنان الإسباني العبقري “بابلو بيكاسو”، نجد أنه اقتبسها علانية وأعاد صياغتها برؤيته التكعيبية إستلهاماً من اللوحة الأصلية التي رسمها الفرنسي “يوجين ديلاكروا”، فلم يكتفِ بيكاسو بالأخذ أضاف، وفسّر، ووسّع أفق الفكرة ليصنع صوتاً مستقلاً تظهر فيه قوة المحاكاة التي تسبق الاستقلال بالهوية البصرية.
ولكن، يظل السؤال المحوري يتكرر كلما تقاطعت التفاصيل أين يقع الحد الفاصل بين التأثر العفوي والنسخ الحرفي؟ إن الإشكالية تبدأ بدقة حين يفقد العمل تلك المسافة الفاصلة بين التأثر والاستنساخ، وتذوب البصمة والروح عندما تصبح العناصر متشابهة إلى حد التطابق، أو يُعاد إنتاج التكوين والتفاصيل ذاتها مع تغييرات سطحية لا تمس الجوهر، فيتحول العمل من تجربة فنية صادقة إلى منتج تجاري مشوه، يسلب الفن قيمته الجمالية.
هذا التحدي بات مضاعفاً اليوم في ظل المشهد التشكيلي المتسارع وبفعل التدفق البصري الهائل عبر الإنترنت، حيث سهلت عملية الاقتباس السريع دون وعي وظهرت إشكاليات أعقد مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تدمج أساليب الفنانين وتنسخها في ثوانٍ مما يفرض على المؤسسات الثقافية والنقاد في وقتنا الحالي دوراً حازماً في تفعيل النقد التحليلي والفرز الفكري بدلاً من إطلاق الأحكام السريعة والانطباعات العابرة.
فالأصالة في الفن لا تعني ابتكار فكرة من العدم أنما إعادة تقديم المألوف برؤية جديدة فلا يعيب الفنان أن يتأثر بغيره، طالما أنه يمزج العمل بثقافته وبصمته الخاصة ليتحول من مجرد تكرار للآخرين إلى صوت فريد يمثله وحده.

