إسماعيل الحكمي – جازان:
تختزل الذاكرة الجمعية لأهالي منطقة جازان تفاصيل زمنٍ فريد، كانت تُقاس فيه مسافات السفر بلهفة القلوب لا بتقنيات الاتصال؛ فقديمًا، كان للموسم المبارك هيبة استثنائية تبدل ملامح الحياة اليومية في القرى والمحافظات، وتدفع بالروحانية إلى صدارة المشهد، حيث يغدو التجهيز لرحلة العمر وإعداد «الزاد» الحدث الأبرز الذي ينشغل به الجميع قبل موعد السفر بأشهرٍ مديدة.
ملاحم الوداع وعفوية الوجدان
شكلت مراسم توديع المتوجهين إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج قديمًا لوحة إنسانية بالغة الأثر، يمتزج في جنباتها الفرح العارم بوجل الفراق، نظرًا لما تنطوي عليه الرحلة آنذاك من مشاق ومخاطر تجعل من لحظة الوداع موقفًا مهيبًا.
وفي تلك الأجواء، كان يتداعى الأهالي لالتماس الدعاء والابتهال، حيث ترتفع الأصوات العذبة بالدعوات المأثورة وسط مشهد عفوي يفيض بالدموع والصراخ الصادق، مما يعكس نقاء تلك الحقبة وعمق ارتباط الناس بالفطرة والإيمان السليم.

ترقب غائب وكشحة البن
ومع انقطاع أنباء المسافرين طوال أسابيع غيابهم، كان القلق يلقي بظلاله على البيوت. وتحت وطأة الشوق والاطمئنان، وبدافع الفطرة التي لم تخلُ من جهل تلك الأيام، كان البعض يسترشد بـ «كشحة البن» لدى العرافات في محاولات تقليدية لتهدئة روع النفوس القلقة.
وتدريجيًا، ومع اقتراب موسم الإياب، كان الأهالي يتجمعون عند مشارف القرية ترقبًا للبشرى المنتظرة.
وتبلغ البهجة ذروتها فور ظهور المركبة وهي تلوح بـ «بيرقٍ أبيض» يرفرف عاليًا لإعلان سلامة الحجاج وعودتهم غانمين، لتبدأ عندها الاحتفالات وتتعالى الزغاريد، في حين يتسابق الأطفال لحصد هداياهم التقليدية من الخواتم و«الصبران».

«تحبيل القعد».. ملامح التكريم والاحتفاء
لم تقتصر مظاهر التبجيل عند الاستقبال الفوري فحسب، بل امتدت لتشمل أعرافًا تراثية مميزة، ومنها تخصيص مقعد خشبي جديد ومحاكٍ بعناية من خوص النخل؛ وهو ما يُعرف بـ «الطفي».
وكان يتولى صناعة هذا المقعد بعناية فائقة مجموعة من المقربين والحرفيين المهرة في القرية، تحت إشراف الخبراء المتخصصين في فن «تحبيل القعد»؛ وهي الصنعة التقليدية التي تمنح المقعد متانة وجمالية خاصة. ويُحظر على أي شخص الجلوس على هذا المقعد طيلة فترة غياب الحاج، ليبقى مصونًا ومحفوظًا حتى يتبوأه الحاج بعد عودته مكرمًا مهابًا، محاطًا بالأهالي الذين يتقاطرون للاستماع لأخبار المشاعر المقدسة وثنايا الرحلة.
وسام اجتماعي راسخ
جسد لقب «الحاج» في تلك الحقبة وسامًا اجتماعيًا رفيعًا، يرافق صاحبه مدى الحياة حتى يتوارى اسمه الحقيقي خلف مهابة اللقب وتوقير المجتمع. ولم يكن هذا العرف مجرد دلالة على أداء الفريضة، بل اعترافًا بمنزلة روحية ومكانة رفيعة حفرت أثرها العميق في وجدان وذاكرة الجيل الراحل.

نقلة تاريخية وتيسير غير مسبوق
وإذ نستحضر اليوم تلك المشاق وتلك الطقوس التي عكست حجم المعاناة وقلق السفر في الماضي، يبرز الحاضر بنقلة تاريخية نوعية؛ إذ أضحى أداء مناسك الحج اليوم ميسرًا، آمنًا، ومحاطًا بأعلى درجات الراحة والطمأنينة.
ويأتي هذا التحول العظيم في ظل ما تقدمه القيادة الحكيمة للمملكة العربية السعودية من دعم لامحدود، وسعي مستمر لتسخير كافة الإمكانات المادية والبشرية لخدمة ضيوف الرحمن.
وتشهد المشاعر المقدسة اليوم تطورًا عمرانيًا وتكنولوجيًا هائلًا، يضمن انسيابية الحشود وتوفير أرقى الخدمات الطبية واللوجستية، لتتحول رحلة الحج من كفاح طويل وشاق إلى تجربة إيمانية ميسرة تعكس النهضة الشاملة التي تعيشها بقعة الهدى والنور.

