تتطلب إدارة التجمعات البشرية المليونية في مساحة جغرافية محددة وخلال حيز زمني ضيق أدوات استثنائية تتجاوز نطاق المراقبة البشرية نحو مستويات أعلى من التحليل الرقمي الدقيق. وقد استجابت المنظومة الأمنية السعودية لهذا التحدي التشغيلي المعقد عبر إطلاق منصة «رؤى» الذكية، وهي نتاج شراكة استراتيجية حاسمة بين مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية «كاكست» والمديرية العامة للأمن العام بوزارة الداخلية.
تهدف هذه المنظومة التقنية إلى مساندة الأعمال الأمنية في المشاعر المقدسة خلال موسمي الحج والعمرة، معتمدةً على دمج قدرات الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاستشعار عن بعد لتوجيه عملية اتخاذ القرار الميداني.
يسهم هذا التكامل المؤسسي في تسريع أوقات الاستجابة وضمان انسيابية حركة ضيوف الرحمن وفق معايير سلامة محكمة ومراقبة مستمرة.
كيف تعمل «رؤى»؟
ترتكز البنية التحتية للمنصة على قاعدة بيانات بصرية ضخمة تغذي الخوارزميات المركزية بمعلومات مكانية محدثة على مدار الساعة.
وتستعرض المنظومة ما يقارب 2000 صورة التقطتها الأقمار الصناعية للموسم الحالي والمواسم الماضية، في خطوة تهدف إلى بناء قاعدة مقارنات تاريخية دقيقة تساند عمليات التقييم الأمني المستمر.
وتتضافر هذه الثروة المعلوماتية الفضائية مع مخرجات 126 عملية تصوير جوي مسحت بدقة متناهية مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة، وصولًا إلى شبكة الطرق المعقدة المؤدية إليها.
يحول هذا الدمج الشامل لبيانات نظم المعلومات الجغرافية المشهد الميداني إلى خارطة رقمية حية، تمنح غرف العمليات القدرة على تغطية كافة النطاقات المكانية دون استثناء، وتوفر رؤية بانورامية تفصيلية تخدم نجاح الخطط التشغيلية المعتمدة.
قدرات منصة «رؤى»
تمتد قدرات المراقبة الرقمية لتشمل الجوانب البيئية والمناخية المؤثرة مباشرة على سلامة الكتل البشرية أثناء أداء النسك.
تقوم أدوات التحليل المدمجة في المنظومة بإجراء دراسة مكانية مستمرة للمناطق الحرارية، راصدةً بدقة بالغة أي تغيرات تطرأ على درجات حرارة سطح الأرض داخل نطاق المشاعر المقدسة.
تكتسب هذه القراءة البيئية أهمية تشغيلية قصوى، حيث تضع أمام القيادات الأمنية والفرق الميدانية تصورًا واضحًا للحالة المناخية الفعلية في مناطق الكثافة العالية.
ويوفر هذا الرصد اللحظي أرضية صلبة للقطاعات المعنية للتعامل مع التغيرات الحرارية، ويضمن تقليل المخاطر المرتبطة بالطقس وتوفير بيئة أكثر أمانًا للحجاج والمعتمرين طوال فترات الذروة.
كذلك، فإن الانسيابية المرورية وحركة المشاة تخضع لعملية تتبع إلكترونية دقيقة تهدف إلى كشف أي اختلالات مفاجئة في التدفق البشري.
وتعمل المنصة باستمرار على التقاط الأنماط غير النظامية في مسارات الحركة أو كثافة المركبات، محولةً تلك القراءات الخام فوريًا إلى تقارير مكانية دقيقة تصل إلى شاشات المراقبة.
يضمن هذا الرصد المتواصل للأنماط الشاذة الحفاظ على الجاهزية العالية للتدخل السريع من قبل رجال الأمن قبل تفاقم أي ازدحام.
وتنعكس سرعة معالجة البيانات على جودة الإدارة الميدانية، حيث تصبح التوجيهات مبنية على إحداثيات واضحة ومؤشرات رقمية مجردة، مما يحافظ على سلاسة التفويج وحركة الحشود بين المشاعر دون عوائق.
ربط شبكي مشفر لضمان السيطرة التقنية
تكتمل دائرة السيطرة التقنية عبر الربط الشبكي المباشر والمشفر بين خوادم المنصة ومركز القيادة والسيطرة التابع للمديرية العامة للأمن العام.
يعرض هذا الاتصال الحي البيانات المعالجة والمؤشرات الميدانية من خلال واجهات تفاعلية مصممة خصيصًا لتناسب الاحتياجات التشغيلية العاجلة لمتخذي القرار.
يتيح هذا التكامل التام للقادة الاطلاع على تفاصيل الحالة الميدانية في الوقت الفعلي، ومطابقة البيانات الواردة مع خطط التفويج المقررة سلفًا.
وتؤدي هذه الشراكة الاستراتيجية الفاعلة إلى توحيد الرؤية المعلوماتية وتنسيق الجهود المشتركة، لضمان استمرار تقديم الخدمات الأمنية بأعلى درجات الكفاءة والانضباط التنظيمي.
وتُدار كافة عمليات جمع البيانات المكانية وتحليلها بشكل آلي بالكامل، ما يؤكد مستوى التقدم في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن القطاع الأمني الوطني.
وتواصل «كاكست» توفير الدعم التقني والتشغيلي للأنظمة الخوارزمية لرفع مستوى الموثوقية والدقة في النواتج الاستراتيجية التي تعتمد عليها وزارة الداخلية. ويمثل هذا الاعتماد الكلي على الأتمتة نقلة نوعية في منهجيات إدارة الحشود، حيث تصبح التقنية الفضائية شريكًا أساسيًا في صياغة المشهد الميداني وضمان أمنه. بينما تقف هذه المنجزات المؤسسية كشاهد حي على تطور الإمكانات السعودية في تطويع التكنولوجيا الحديثة وتسخيرها لخدمة قاصدي الحرمين الشريفين بطرق علمية صارمة تخلو من التقديرات العشوائية.

