الكاتب أحمد العرفج
تقول العرب: إن الزيادة أخت النقص، وإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، فليس في كل زيادة مكسبٌ، وليس في كل وفرة مغنمٌ؛ فمثلًا عندما تضع العرب أكثر من خمسمائة اسم للأسد، فإن هذا لا يدل على عافية في اللغة، بل يشير إلى أن أهل اللغة يمارسون العبث بلغتهم، والإسراف في استهلاك مفرداتها، ويُتعبون من يريد أن يتعلمها، لأن من يريد أن يتعلمها؛ يتوجب عليه أن يحفظ كل الخمسمائة اسم، التي تُطلق على الأسد، وكل المائتي اسم التي تطلق على السيف، وهكذا يحفظ مئات الأسماء لمسمى واحد..!
إن هذا العبث والإسراف في اللغة هو حماقة؛ لا تدل على الثراء، بل هو توزيع سفيه للثروة اللغوية، يشبه إلى حد ما «لحية» فيلسوفنا الكبير جورج برنارد شو؛ حين وصف شعر لحيته بأنه: «كثافة في الإنتاج، وسوء في التوزيع»!
ومن العجيب أن هذا الإسراف باللغة؛ انتقل من اللغة الفصحى إلى اللهجة الشعبية، وللتدليل على ذلك، فقد وصلتني رسالة جوالية قبل أيام فيها القصة التالية:
ركب أحد الطيبين الطائرة، وشاهد المضيفة تذهب وتأتي فقال: ما بها هذه المضيفة، «بس هري مري»؟!
حينها سمعت المضيفة هذه الجملة؛ وأحبت أن تفهم معناها، ومن البلية أنها سألت أحد الركاب وقالت: ماذا تعني كلمة «هري مري»؟
فقال لها: «يعني خيطي بيطي»
لم تفهم المضيفة هذه العبارة أيضًا، فاستعانت برجل آخر من منطقة أخرى، فقالت له: ماذا تعني «هري مري»؟.. فقال: «يعني سردح مردح»، لم تفهم أيضًا، فاستعانت براكب ثالث، فقال لها: «إنها تعني سردادي مردادي».
وحتى الآن لم تفهم هذه المضيفة، فسألت راكبًا رابعًا عن معنى «هري مري»، فقال: «يعني خيقي بيقي».. وما زالت الدهشة تكسو وجهها، فاستعانت براكب خامس؛ حيث أجابها قائلًا: يعني «دادي بادي».
فزادت الحيرة والدهشة في وجهها، واستعانت براكب سادس، حيث أجابها قائلًا: «إنها تعني صبه رده».. بعد هذه المعاناة والخيبات؛ التي طوقت ذهن المضيفة؛ يُقال: إن المضيفة دخلت -بعد هذه الحيرة- إلى مستشفى الصحة النفسية، وما زالت تتلقى العلاج بسبب هذا الإسراف اللغوي، الذي أكثرت من سماعه، فأصابها بإمساك بالتفكير، وإعياء في التعبير.
حسنًا.. ماذا بقي؟!
بقي القول: يا قوم، تعالوا إلى كلمة سواء، ولنتقارب لغويًّا؛ طالما أننا لم نستطع أن نتقارب فكريًّا، تعالوا إلى لغة ثالثة تفهمونها ونفهمها، فاللغة أصدق وأرق وأجمل أدوات التواصل.

