فهيد الدوسري
لماذا أصبحت صناعة القدرات أهم من تقديم المساعدات؟
لم تعد التنمية في عالم اليوم تقاس بحجم ما يُقدَّم من خدماتٍ أو مساعداتٍ؛ بل أصبحت تقاس بقدرة المؤسسات على صناعة أثرٍ مستدامٍ ينعكس على الإنسان والمجتمع والاقتصاد.
ففي الماضي كان النجاح يرتبط بتلبية الاحتياج الآنيّ، أما اليوم فأصبح النجاح الحقيقي يتمثل في بناء القدرات وخلق الفرص وتمكين الأفراد ليكونوا شركاء في التنمية لا مجرد مستفيدين منها.
ومن هنا برز مفهوم التمكين باعتباره أحد أهم الأدوات التنموية الحديثة؛ لأنه لا يقتصر على معالجة التحديات الحالية، بل يركز على بناء مستقبلٍ أكثر استدامةً واستقراراً.
فالفرق كبيرٌ بين أن تمنح شخصاً دعماً مؤقتاً وبين أن تمنحه فرصةً تمكنّه من الاعتماد على نفسه، وتطوير مهاراته، والمساهمة في بناء مجتمعه.
ولهذا نشهد في المملكة العربية السعودية تحولاً تنموياً متسارعاً يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث أصبح الاستثمار في الإنسان أولويةً وطنيةً، وأصبحت برامج التأهيل والتدريب والتمكين جزءاً أساسياً من منظومة التنمية الشاملة.
كما أن المؤسسات الناجحة لم تعد تكتفي بقياس عدد البرامج التي نفذتها أو عدد المستفيدين الذين وصلتهم خدماتها، بل أصبحت تقيس الأثر الحقيقي الذي أحدثته في حياة الناس، ومدى قدرتهم على الاستمرار والإنتاج بعد انتهاء الدعم.
وفي القطاع غير الربحي على وجه الخصوص، أصبح التمكين هو المسار الأكثر تأثيراً واستدامةً، لأنه يحول المستفيد إلى عنصرٍ منتجٍ، ويحول المبادرات من مشاريعَ مؤقتةٍ إلى قصص نجاحٍ مستمرةٍ.
وينطبق ذلك أيضاً على القطاع الرياضي، حيث لا يجب أن ينتهي الاهتمام بالرياضي عند نهاية مسيرته داخل الملعب، بل يجب أن يمتد إلى تأهيله وتمكينه واستثمار خبراته في التدريب والإدارة والتوجيه واكتشاف المواهب، بما يضمن استمرار عطائه للمجتمع والقطاع الرياضي.
ومع استعداد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034، تبرز فرصةٌ تاريخيةٌ لتقديم نموذجٍ سعوديٍّ ملهمٍ للعالم، لا يقتصر على تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، بل يمتد إلى توظيف الرياضة كأداة للتنمية وتمكين الإنسان وصناعة الأثر المستدام.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ بما نقدمه للناس؛ بل بما نمكنهم من تحقيقه بأنفسهم؛ فالتمكين يصنع الفرص، والفرص تصنع التنمية، والتنمية تصنع الأثر الذي يبقى.
ولهذا ستبقى المؤسسات الأكثر تأثيراً هي تلك التي تجعل الإنسان محور عملها، وتؤمن بأن بناء القدرات هو الاستثمار الأهم، وأن التمكين أولاً… ثم تأتي التنمية.

