دخلت الأسواق المالية العالمية أسبوعها الجديد على وقع موجة بيع واسعة النطاق، بعدما أعادت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط إشعال مخاوف المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي والتضخم وأسعار الطاقة.
وبينما تراجعت مؤشرات الأسهم الآسيوية والأوروبية بشكل حاد، تعرضت أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لضغوط قوية نتيجة تزايد المخاوف من استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة.
الأسواق الآسيوية تحت ضغط مزدوج
شهدت البورصات الآسيوية واحدة من أكثر جلساتها اضطراباً خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تداخلت تأثيرات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مع المخاوف المتعلقة بأسعار الفائدة الأمريكية، ما دفع المستثمرين إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر.
وكانت السوق الكورية الجنوبية في صدارة الخاسرين، حيث هبط مؤشر “كوسبي” بأكثر من 8% خلال التعاملات، الأمر الذي دفع السلطات إلى تفعيل آلية تعليق التداول بالكامل لمدة 20 دقيقة، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها السوق.
وأعلنت بورصة كوريا تعليق التداول على جميع الأسهم المدرجة مؤقتاً، إضافة إلى وقف التعاملات في العقود الآجلة والخيارات المرتبطة بالأسهم، بعد أن فقد المؤشر أكثر من 685 نقطة مقارنة بإغلاق الجلسة السابقة.
ويعد هذا التعليق الثالث من نوعه خلال العام الجاري والتاسع منذ اعتماد هذه الآلية، في مؤشر واضح على تصاعد حدة التقلبات التي تضرب الأسواق المالية الكورية.
أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي تقود التراجعات
تعرض قطاع التكنولوجيا لضغوط استثنائية مع استمرار عمليات البيع التي بدأت في الأسواق الأميركية نهاية الأسبوع الماضي، بعدما عززت بيانات التوظيف الأمريكية القوية توقعات استمرار التشدد النقدي من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتكبدت أسهم شركات أشباه الموصلات الكبرى خسائر حادة، إذ هبطت أسهم “سامسونغ إلكترونكس” و”إس كيه هاينكس” بأكثر من 10% في بداية الجلسة، قبل أن تقلص جانباً من خسائرها لاحقاً.
وساهم الإعلان عن تعاون جديد بين شركة “إنفيديا” و”إس كيه هاينكس” لتطوير أجيال متقدمة من رقائق الذاكرة المخصصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تهدئة بعض الضغوط، إلا أن المزاج العام في السوق ظل سلبياً بفعل استمرار موجة البيع العالمية.
وفي الوقت ذاته، واصل المستثمرون الأجانب التخارج من السوق الكورية، بينما سارعت السلطات المالية إلى عقد اجتماعات طارئة لبحث سبل احتواء التقلبات والحفاظ على استقرار الأسواق والعملات المحلية.
اليابان تسجل أكبر خسارة يومية منذ أشهر
امتدت الضغوط إلى السوق اليابانية التي أنهت تعاملاتها على خسائر حادة، حيث سجل مؤشر “نيكاي” أكبر تراجع يومي له خلال ثلاثة أشهر.
وأغلق المؤشر منخفضاً بنسبة 3.85% عند مستوى 64024.60 نقطة، بينما تراجع مؤشر “توبكس” الأوسع نطاقاً بنسبة 2.45%.
وشملت الخسائر معظم القطاعات الرئيسية، خصوصاً شركات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، إذ هبط سهم “سومكو” بنحو 12.8%، فيما فقد سهم “موراتا مانيوفاكتشرينغ” أكثر من 10% من قيمته، وتراجع سهم “سوسيونيكست” بنسبة مماثلة تقريباً.
وزادت الضغوط مع صعود الين إلى مستويات حساسة تجاوزت 160 يناً مقابل الدولار، ما أعاد المخاوف بشأن احتمالات تدخل السلطات اليابانية في سوق الصرف لدعم العملة المحلية.
تداعيات الحرب تضغط على الاقتصاد الياباني
جاءت خسائر السوق اليابانية بالتزامن مع بيانات اقتصادية أظهرت تباطؤ زخم الاقتصاد خلال الربع الأول من العام، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات إضافية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
كما تعرضت السندات الحكومية اليابانية لضغوط بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، وهو ما أثار مخاوف متجددة بشأن التضخم ومسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن استمرار التصعيد في الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من المخاطر أمام الاقتصاد الياباني الذي يعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة من الخارج.
أوروبا تنضم إلى موجة التراجعات العالمية
لم تكن الأسواق الأوروبية بمنأى عن هذه التطورات، إذ تراجع مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي إلى أدنى مستوياته خلال أسبوعين، متأثراً بمزيج من المخاطر الجيوسياسية والضغوط التي يتعرض لها قطاع التكنولوجيا عالمياً.
وانخفض المؤشر بنسبة 0.9% مع تسجيل معظم البورصات الأوروبية الرئيسية خسائر متقاربة، في ظل تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
وجاءت هذه الخسائر بعد ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 4% نتيجة تبادل الهجمات بين إسرائيل وإيران، وهو ما زاد المخاوف من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
شركات الطيران والتكنولوجيا الأكثر تضرراً
كانت أسهم شركات الطيران من بين أكبر المتضررين في أوروبا بسبب حساسية القطاع تجاه ارتفاع أسعار الوقود، حيث تراجعت أسهم “لوفتهانزا” والخطوط الجوية الفرنسية بأكثر من 2% لكل منهما.
كما تعرض قطاع التكنولوجيا الأوروبي لضغوط ملحوظة، إذ فقد أكثر من 2% من قيمته خلال الجلسة متأثراً بالخسائر الكبيرة التي شهدتها أسهم التكنولوجيا في الولايات المتحدة وآسيا.
وتراجعت أسهم “إنفينيون” و”بي إي سي ميكوندكتور” بصورة ملحوظة، كما انخفضت أسهم شركتي “ليغراند” و”شنايدر إلكتريك”، اللتين تستفيدان من طفرة الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
ورغم هذه التراجعات، لا يزال قطاع التكنولوجيا الأوروبي من بين أفضل القطاعات أداءً منذ بداية الربع الحالي، مدعوماً بالاستثمارات المتزايدة في تقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
الفائدة الأمريكية تواصل إرباك الأسواق
زاد تقرير الوظائف الأمريكي القوي من قلق المستثمرين بعدما عزز الرهانات على إبقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، وربما الاتجاه نحو رفع إضافي قبل نهاية العام.
وأدى هذا التغير في توقعات السياسة النقدية إلى زيادة الضغوط على أسهم النمو والتكنولوجيا، التي تعتمد تقييماتها بشكل كبير على توقعات الأرباح المستقبلية.
وفي الوقت نفسه، يترقب المستثمرون قرار البنك المركزي الأوروبي بشأن أسعار الفائدة، وسط توقعات واسعة باتخاذ خطوة جديدة في إطار مواجهة الضغوط التضخمية المستمرة.
نشاط لافت في صفقات الاستحواذ الأوروبية
ورغم أجواء التراجع العامة، شهدت الأسواق الأوروبية تطوراً بارزاً في قطاع المصارف بعد إعلان بنك “إنتيسا سان باولو” عرضاً للاستحواذ على بنك “مونتي دي باشي دي سيينا” بقيمة 30.6 مليار يورو.
وأدى العرض إلى ارتفاع سهم “مونتي دي باشي دي سيينا” بنحو 9.5%، في حين تراجع سهم “إنتيسا سان باولو” بنسبة 3.2% مع تقييم المستثمرين لتأثير الصفقة المحتمل على أكبر مجموعة مصرفية في إيطاليا.
تعكس التحركات الأخيرة في الأسواق العالمية حجم القلق الذي يسيطر على المستثمرين مع تزامن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط مع استمرار الضبابية بشأن مسار أسعار الفائدة العالمية.
وبينما تواصل أسواق الطاقة الارتفاع بفعل المخاوف المتعلقة بالإمدادات، تتعرض أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لضغوط متزايدة نتيجة ارتفاع العوائد وتشدد السياسة النقدية، ما يجعل الأسواق العالمية أمام مرحلة جديدة من التقلبات الحادة بانتظار وضوح أكبر في المشهدين السياسي والاقتصادي.

