تحولت موجة التفاؤل التي صاحبت الإدراج التاريخي لشركة سبيس إكس في بورصة وول ستريت إلى واحدة من أعنف موجات التصحيح التي شهدتها الأسواق الأمريكية، بعدما فقدت الشركة نحو 400 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال جلسة تداول واحدة، وسط ضغوط متزايدة فرضها ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وتنامي توقعات رفع أسعار الفائدة. ولم يقتصر تأثير هذه التطورات على الشركة وحدها، بل امتد إلى قطاع التكنولوجيا بأكمله، مع تراجع شهية المستثمرين تجاه الأسهم مرتفعة التقييم.
وجاءت الخسائر في وقت تواصل فيه الأسواق إعادة تسعير توقعاتها للسياسة النقدية الأمريكية، بعدما عزز مسؤولو مجلس الاحتياطي الفيدرالي رسائلهم الداعمة لاستمرار التشديد النقدي من أجل احتواء التضخم، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى تقليص استثماراتهم في الشركات التي تعتمد تقييماتها على توقعات النمو المستقبلية.
وتواصلت الضغوط على سهم سبيس إكس في تعاملات ما قبل افتتاح جلسة الثلاثاء، حيث تراجع بنحو 3%، بعدما أنهى جلسة الاثنين منخفضًا بنسبة 16.4% عند مستوى 154.60 دولارًا للسهم، ليتراجع بأكثر من 31% مقارنة بأعلى مستوى بلغه بعد الطرح العام في 11 يونيو، رغم أن سعر الإدراج بلغ 135 دولارًا فقط.
ثاني أكبر خسارة سوقية في التاريخ
وأدت موجة البيع العنيفة إلى محو نحو 400 مليار دولار من القيمة السوقية للشركة خلال جلسة واحدة، في ثاني أكبر خسارة يومية تسجلها شركة مدرجة على الإطلاق، وفقًا لتحليل بيانات “بلومبرغ”.
وتراجعت القيمة السوقية لسبيس إكس إلى نحو 2.03 تريليون دولار، بعدما كانت قد اقتربت من مستوى 3 تريليونات دولار في 16 يونيو، وهو ما يعكس حجم التصحيح الذي شهدته الأسهم بعد الصعود القياسي الذي أعقب الاكتتاب.
ويرى محللون أن التراجع جاء نتيجة انحسار الطلب بعد موجة الشراء الأولى التي صاحبت الإدراج، إذ أوضح مايك أورورك، من شركة “جونز تريدينغ”، أن معظم المستثمرين الراغبين في شراء السهم دخلوا السوق خلال الأيام الأولى بعد الطرح، ما أدى إلى تراجع الزخم مع مرور الوقت.
الفائدة تضغط على شركات التكنولوجيا
تزامنت خسائر سبيس إكس مع ارتفاع قوي في عوائد السندات الحكومية الأمريكية، في ظل توقعات متزايدة بأن يضطر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة لمواجهة التضخم.
ويشكل هذا السيناريو ضغطًا مباشرًا على شركات التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة، وفي مقدمتها سبيس إكس، التي تتداول عند أكثر من 100 ضعف إيراداتها السنوية، بحسب صحيفة “فاينانشال تايمز”.
وامتدت موجة التراجع إلى بقية أسهم التكنولوجيا، إذ انخفض مؤشر ناسداك بنسبة 1.3%، بينما هبطت أسهم شركات كبرى مثل غوغل وأمازون وبرودكوم بأكثر من 4% لكل منها.
وزادت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، من مخاوف المستثمرين، بعدما أكد استمرار البنك المركزي في مكافحة التضخم، فيما أظهرت أحدث توقعات مسؤولي الفيدرالي أن 9 أعضاء من أصل 18 يتوقعون رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام، مقارنة بعدم وجود أي توقعات بالرفع حتى شهر مارس الماضي.
رهانات الذكاء الاصطناعي تواجه اختبارًا صعبًا
استجابت الأسواق سريعًا لهذه التوقعات، لترتفع احتمالات بدء دورة رفع أسعار الفائدة في سبتمبر، بالتزامن مع صعود العائد على السندات الأمريكية لأجل عامين إلى 4.23%، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من عام.
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس بالنسبة لسبيس إكس، التي تستعد لجمع ما يصل إلى 20 مليار دولار عبر إصدار سندات جديدة، بهدف سداد قرض جسري بالقيمة نفسها حصلت عليه في مارس الماضي بعد دمج شركة الذكاء الاصطناعي xAI ومنصة إكس ضمن كيان واحد.
وتستند التقييمات الضخمة للشركة إلى توقعات بنمو هائل في سوق الذكاء الاصطناعي، إذ تراهن على أن يصل حجم السوق المستهدف إلى نحو 26.5 تريليون دولار، رغم أن هذا النشاط سجل خسائر بلغت 6.4 مليارات دولار خلال عام 2025.
وفي إطار توسعها في هذا القطاع، أعلنت الشركة مؤخرًا اتفاقًا مع Reflection AI لتوفير قدرات حوسبة عبر مركز البيانات “كولوسوس 2″، في خطوة تعزز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعدما سبقتها اتفاقيات مماثلة مع شركتي “أنثروبيك” و”ألفابت”.
المنافسة تزداد صعوبة
ورغم توسع الشركة في خدمات الذكاء الاصطناعي، لا يزال روبوت الدردشة Grok التابع لشركة xAI يواجه منافسة قوية من منصات أكثر انتشارًا مثل ChatGPT وGemini وClaude، وهو ما يزيد من الضغوط على رهانات الشركة المستقبلية، خاصة مع ارتفاع تكاليف التمويل وتراجع شهية المستثمرين تجاه الشركات التي تعتمد على توقعات النمو أكثر من الأرباح الحالية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن أسهم التكنولوجيا، وفي مقدمتها سبيس إكس، قد تظل عرضة لمزيد من التقلبات خلال الفترة المقبلة، مع استمرار الأسواق في مراقبة بيانات التضخم وقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في توجهات المستثمرين وأسعار الأصول عالية المخاطر.

