خطا علماء الصوتيات الحيوية أولى خطواتهم، في فك شفرة التواصل بين الكائنات الحية عبر رصد وتحليل أنماط صوتية معقدة في عالم الحيوان، كان يُعتقد في السابق أنها حكر على الجنس البشري وحده.
وفي صحراء كارو الشاسعة بجنوب إفريقيا، رصد باحثون ردود فعل الفأر الإفريقي المخطط تجاه أصوات عالية التردد لا تسمعها الأذن البشرية تبثها أجهزة صوتية متطورة، حيث أظهرت الفئران يقظة حذرة عند سماع نداءات قادمة من شجيرات مجاورة، بينما فرت هاربة عند سماع أصوات فئران غريبة تمامًا، ما يثبت قدرتها على تمييز الهويات الصوتية.
وأوضح نيكولاس ماثيفون الأستاذ بجامعة «سانت إتيان» الفرنسية، ومؤلف كتاب «أصوات الطبيعة: كيف ولماذا تتواصل الحيوانات»، أن هذه الدراسة تعد الأولى من نوعها لفك شفرة الأصوات الخفية للقوارض في البرية، مشيرًا إلى أن الاعتقادات السابقة كانت تجرد الحيوانات من القدرة على التواصل المعقد، بينما تبرهن التقنيات الحديثة على عكس ذلك تمامًا.
توظيف الذكاء الاصطناعي في فك شفرة التواصل بين الكائنات الحية
وسجل ماثيفون رفقة فريقه 122,619 صوتًا من عشرات الفئران المخططة على مدار 12 يومًا باستخدام 23 ميكروفونًا؛ إذ نجحوا في تدريب شبكة عصبية اصطناعية، وهي ذات الأنظمة التي تقوم عليها النماذج اللغوية الكبيرة مثل «ChatGPT»، تتيح كشف البصمة الصوتية الفريدة لكل عش من الفئران بل ولكل فرد منها.
وأكد الباحث أن التعلم الآلي بات أداة حتمية للتعامل مع التدفق الهائل للبيانات الصوتية لرصد المعلومات الثابتة والديناميكية مثل مستويات التوتر.
وقد دخل هذا المشروع البحثي ضمن القائمة النهائية لمرشحي «جائزة دوليتل» البالغ قيمتها 100 ألف دولار والمخصصة للاحتفاء بالتقدم في مجالات الاتصال الحيواني، برعاية الملياردير البريطاني جيريمي كولر، مع وعود برصد استثمارات بقيمة 10 ملايين دولار أو مكافأة نقدية بقيمة 500 ألف دولار لأي فريق يثبت قدرته على تحقيق تواصل ثنائي مستقل مع أحد الأنواع.
وأشار جوناثان بيرش أستاذ الفلسفة ومدير مركز «جيريمي كولر» لإدراك الحيوان في مدرسة لندن للاقتصاد، وأحد أعضاء لجنة التحكيم، إلى أن الهدف الأسمى هو الوصول لتواصل متبادل وسلس، لافتًا إلى أن الفائز بالنسخة الأولى للجائزة عام 2025 كان فريقًا فكك نظامًا شبيهًا باللغة في صفير الدلافين البرية بفلوريدا.
وتضم قائمة المرشحين لعام 2026 علماء يحللون تواصل قردة الشمبانزي والبونوبو في ساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وطيور الحسون الأسترالية، بجانب أبحاث سابقة حول إشارات الحبّار في فرنسا.
القواعد اللغوية والتركيبات الصوتية لدى القردة العليا
وفي سياق متصل، أمضت كاثرين كروكفورد رئيسة مختبر العقل الاجتماعي للقردة بمعهد العلوم المعرفية في ليون بفرنسا، سنوات طويلة في جمع نحو 20,000 ساعة من تسجيلات الشمبانزي البري في حديقة تاي الوطنية بساحل العاج.
وكشفت أبحاثها بالتعاون مع رومان ويتيج الباحث وموجه المجموعات البحثية بمعهد «ماكس بلانك» للأنثروبولوجيا التطورية، أن القردة تمتلك القدرة على دمج الأصوات في ثنائيات لتوليد معانٍ جديدة، وهو ما يشبه القواعد النحوية للبشر.
وأفاد ويتيج أنهم يراقبون حاليًا الجيل الثالث من مجتمع الشمبانزي الذي يضم 150 فردًا يعرفونهم بشكل شخصي، بينما أوضحت كروكفورد أن الحصيلة الصوتية للشمبانزي تضم 12 نداءً أساسيًا، لكنهم يملكون المرونة لخلطها وتوليد 16 تركيبة ثنائية مختلفة؛ مثل دمج نداء الراحة مع التحية ليعني «لنقم ببناء عش».
وفي ذات الإطار، درست ميليسا بيرثيت باحثة الدكتوراه بجامعة ميلانو سلوك قردة البونوبو في الغابات المطيرة النائية بجمهورية الكونغو؛ لتعقبها وتدوين الملاحظات السياقية لأكثر من 300 عامل مصاحب لكل صوت.
واستخدمت بيرثيت لاحقًا تقنيات رياضية في جامعة زيورخ لتحليل 700 نداء، واكتشفت أن دمج نداء التوجيه مع نداء التجميع يغير المعنى تمامًا ليعبر عن موقف اجتماعي متوتر يحمل رسالة «أود أن نصنع السلام».
ورغمهذه الآفاق، تعبر بيرثيت عن مخاوفها من أن يتحول هذا العلم إلى قطاع سياحي تجاري يفسد ديموغرافيا الحيوانات البرية ويفقدها اتزانها الفطري. وهي الرؤية التي دعمها مارتن سوربيك الأستاذ المشارك في جامعة هارفارد ومؤسس موقع أبحاث «البونوبو» في كوكولوبوري، مؤكدًا امتناعهم عن إجراء تجارب إعادة بث الأصوات للحيوانات الذكية لتفادي تشتيتها أو إحداث عواقب غير محسوبة في منظومتها الاجتماعية.
دفعت هذه المخاوف جهات مثل مشروع “CETI” لترجمة حيتان العنبر لبحث الأبعاد القانونية والأخلاقية المترتبة على هذه التقنيات.
التجارب المخبرية على الطيور وعلاقتها
من جانبها، اتجهت جولي إيلي الباحثة المشاركة بقسم علوم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، للعمل مع طيور الحسون في البيئات المغلقة، وصنفت 11 نداءً ترتبط بالجوع، والخطر، والارتباط، والنزاع الاجتماعي.
وصممت إيلي تجربة تقوم فيها الطيور المدربة بالنقر على أزرار لبث نداءات معينة، ومكافأتها بالبذور عند اختيار النداء الصحيح، حيث أظهرت الطيور قدرة فائقة على الفرز وتخطي الأصوات غير المكافأة، ما يعكس امتلاكها تمثيلًا ذهنيًا لمعاني نداءاتها.
وتطمح الباحثة مستقبلًا لتصميم روبوت يحاكي شكل وصوت الطائر، مع إقرارها بوجود حدود طبيعية نظرًا لاختلاف العوالم والاحتياجات بين الأنواع.
وفي تقييم شامل لمستقبل هذه التقنيات، يرى يوسي يوفيل الأستاذ بجامعة تل أبيب ورئيس لجنة تحكيم جائزة دوليتل، أن فك شفرة التواصل بين الكائنات الحية سيكون حقيقة واقعة لكنه قد يكون أكثر مللًا ومحدودية مما يتخيله البشر.
وأثار مارتن سوربيك تساؤلًا جوهريًا حول مدى استعداد البشر للاستماع لما قد تقوله الحيوانات المستأنسة أو الحبيسة بالفعل إذا ما فُتح باب الحوار.
وانتقد مارك ريان الباحث الأقدم في الأخلاقيات الرقمية بجامعة «واغينينغين» الهولندية، التوجهات الرامية للتواصل الثنائي المتبادل محذرًا من أضرارها النفسية والجسدية المحتملة على الحيوانات، رغم دعمه للأبحاث الهادفة للفهم والصون البيئي.
وشاركت ميلاني تشالنجر، النائب الأول للجمعية الملكية لمنع القسوة ضد الحيوانات “RSPCA” ومؤلفة كتاب «حي: الذكاء الخفي للعالم الحي»، هذا المنظور المشكك، لافتة إلى خطورة الوقوع في فخ تقييم الحيوانات بناءً على مدى تشابهها مع البشر.
وفي مقابل ذلك، دافع نيكولاس ماثيفون عن الجدوى التطبيقية لفهم لغة الحيوان، مستشهدًا بقطارات اليابان التي تبث تحذيرات تحاكي صوت الغزلان لإبعادها عن السكك الحديدية، مؤكدًا أن رصد مستويات التوتر عبر الأصوات سيسهم في تحسين جودة حياة حيوانات المزارع والمختبرات دون الحاجة لإجراءات جراحية أو سحب عينات الدم، متوقعًا ظهور “آلة دوليتل” للتواصل الفعلي مع الأنواع التي خضعت لدراسات كافية مستقبلًا.

