كشفت أوساط البحث العلمي العالمية عن قفزة تكنولوجية غير مسبوقة بداخل قطاع البيولوجيا التخليقية، بتحقيق نجاح تاريخي يقود علماء لابتكار خلية اصطناعية من الصفر لأول مرة تتمتع بالقدرة على التغذي والنمو والانقسام الذاتي ومحاكاة الكائنات الطبيعية.
وأوضحت عالمة البيولوجيا التخليقية والأستاذة بـ«جامعة مينيسوتا»، كيت أدامالا، أنها نجحت برفقة فريقها البحثي في تركيب هذه البنية الحيوية خطوة بخطوة من مكونات كيميائية غير حية، مشيرة إلى أن النموذج الحالي يمثل نسقًا أوليًا هشًا ومحدودًا، لكنه يمهد لفهم أعمق لكيفية نشوء الحياة وبرمجة الكائنات لمواجهة المعضلات الحيوية، حيث يبدو النموذج قريبًا من البكتيريا البسيطة، وفقًا لما نقلته شبكة «سي إن إن» الأمريكية.
وقد عمل الباحثون لعقود على تعديل الخلايا الطبيعية وراثيًا لإنتاج الأنسولين البشري بداخل بكتيريا «إي كولاي» لعلاج السكري، غير أن النسق الجديد يمثل مرحلة متقدمة لتطوير علاجات الأورام السرطانية واحتجاز الكربون وتصنيع المواد الكيميائية.
ورغم احتواء الجسم البشري على 37 تريليون خلية لا تزال كيفية عملها مجهولة، فإن هذا الابتكار يمثل محطة هامة على طريق فك تلك الأسرار المعقدة.
آفاق التصميم الحيوي والتحرر من قيود التطور الطبيعي
وعلق الأستاذ المشارك في التقنيات البيوكيميائية بـ«إمبريال كوليدج لندن»، يوفال إيلاني، والذي لم يشارك في المباحثات، بأن هذا العمل يعد علامة حقيقية تسهم في رصد الترتيب الكيميائي المنظم الذي يحاكي الحياة، موضحًا أن بناء الخلايا من الصفر يحرر العلم من قيود التطور البيولوجي الطبيعي، ويفتح الباب لتصميم برمجيات حيوية تعجز الأنظمة الطبيعية عن تنفيذها.
وأطلقت أدامالا على ابتكارها اسم «سبود سيل» كنوع من الدعابة والمحاكاة لاسم القمر الاصطناعي الروسي «سبوتنيك» الذي دشّن عصر الفضاء في خمسينيات القرن الماضي، معربة عن أملها في بدء عصر الاقتصاد الحيوي الحقيقي.
وقد أتاحت الباحثة ورقتها العلمية التي تفصل عمل البنية الحيوية علنًا تمهيدًا لتقديمها للتحكيم بداخل المجلات العلمية هذا الأسبوع، كما أسست رفقة عالمين آخرين هما دريو إندي وجان جيدريشيك ورائد الأعمال كريس راجيو مؤسسة للنفع العام تدعى «بيوتيك» لترقية هذه التقنية ومشاركتها مع الباحثين.
ويتألف النموذج التخليقي من 150 إلى 200 من الجزيئات، ويتغذى وينقسم لحوالي خمسة أجيال متتالية؛ حيث تستغرق عملية الانقسام نحو 12 ساعة عند درجة حرارة تبلغ 30 درجة مئوية، ويمتلك مادة وراثية صغيرة الحجم قوامها 90 ألف زوج من القواعد النيتروجينية.
وتعتمد الآلية على تكدس البروتينات عند الغشاء الخلوي لإجبار الخلية على الانقسام لتعويض غياب الهيكل الخلوي الطبيعي، كما تستعين بريبوسومات خارجية مستمدة من بكتيريا «إي كولاي» لإنتاج بروتيناتها.
معايير السلامة الحيوية ومستقبل البرمجيات مفتوحة المصدر
ومن جانبها، وصفت رئيسة المجموعة الوطنية للهندسة الخلوية بـ«المعهد الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا»، إليزابيث ستريشالسكي، البحث بأنه رائع ومثير، مؤكدة أنه يقع في الحد الفاصل بين التجمعات الكيميائية والخلايا المتطورة طبيعيًا.
واعتبره أستاذ هندسة الجينوم التخليقي بـ«إمبريال كوليدج لندن»، توم إيليس، الطفرة الأكبر بداخل هذا الحقل المعرفي للوقوف على المتطلبات الدنيا للحياة، بينما يرى الأستاذ المتميز بـ«معاهد شينزين للتكنولوجيا المتقدمة» ومدير المختبر الوطني الصيني، تشينلي ليو، أن التقييم النهائي يتطلب صدور الدراسة بداخل دورية علمية محكمة.
وأشار الباحثون إلى أن الخلايا الاصطناعية خضعت لقوى الانتخاب بداخل المختبر عند إدخال تعديل جيني زاد من سرعة نموها وانقسامها، لكن الأستاذ المشارك في الهندسة الحيوية بـ«جامعة ستانفورد» والشريك المؤسس لـ«بيوتيك»، دريو إندي، أوضح أن الابتكار لا يعني خلق الحياة بل بناء هيكل خلوي لا يشكل خطرًا على السلامة البيولوجية، ولا يمكن استخدامه كأسلحة جرثومية لكونه يفتقر للقدرة على التكاثر خارج بيئته الخاصة المليئة بالمغذيات والريبوسومات الخارجية، ما يقلل المخاوف الأمنية المرتبطة بظهور بكتيريا مرآتية مقلوبة التركيب الجزيئي.
وتهدف مؤسسة «بيوتيك» لترخيص هذه التكنولوجيا لتصبح معيارًا عالميًا مشتركًا يحاكي نظام التشغيل مفتوح المصدر «لينكس».
وأفادت أستاذة الأديان والأخلاق بـ«جامعة شيكاغو»، لوري زولوث، أن هذه الخطوة تدعم معالجة القضايا الأخلاقية وتحديد الفئات المستفيدة ووضع الأطر الحمائية، والتزمت كيت أدامالا بإتاحة التقنية مجانًا للأكاديميين والمؤسسات غير الربحية مع فرض رسوم تجارية مستقبلاً، مؤكدة السعي لحشد المجتمع الدولي لتسريع التطوير الحيوي وجعل المنظومة ذات فائدة تطبيقية عالية.

